النصرة للمصحف أم للإرهاب ؟

يقال أن المؤمن كيس فطن، وان المطلوب أن تكون حركته واعية وذكية، لا يُخدع ولا ينجر لجبهات ظاهرية تخفي خلفها ما لا يعرفه، فيمضي في طريق ما تحت لافتات براقة ومقدسة، ثم يكتشف أنه كان مستغلاً ومستغفلاً….

لا ليختلف اثنان في إدانة الجريمة التي أقدم عليها بعض حراس السجن في معتقل غوانتانامو في إهانة المصحف الشريف، حتى الأمريكان أنفسهم، سواء كسلطة وإدارة
أو كشعب وأمة، أدانوا هذا الحدث وطالبوا بمعاقبة مرتكبيه..

وأنا شخصياً أعتقد أنهم سيذوقون وبال فعلتهم في هذه الدنيا قبل الآخرة، فالقرآن الكريم محفوظ ومصون، وله كرامته القصوى وجاهه العظيم عند الله، وستجد كيف ينزل الغضب الإلهي على الفاعلين، سواء بمرض عضال أو بفاقة وفقر، أو أي بلاء آخر، المهم أنهم لن يسلموا من تبعات هذه الجريمة.

ولكن ما هي حقيقة القضية وما هي خلفيات هذا التصعيد الكبير الذي بلغ حد الحملة الإعلامية؟ هل المسألة قدسية المصحف الشريف والحكم الشرعي في وجوب توقيره وحرمته أم فعل يشكل إهانة ونيلاً من منزلته؟

أم أن “وراء الأكمة” ما وراءها؟

من الأمور الفقهية التي تتسالم عليها جميع المذاهب الاسلامية وتتفق، نجاسة الدم، وأنه قذارة يجب إزالتها عن البدن والثوب للصلاة والطواف وجملة من العبادات.. ومما يتفق عليه أيضاً حرمة إهانة المصحف الشريف ناهيك بتنجيسه.

لقد أقدم صدام في أواخر عهده البائد على كتابة جميع المصحف بالدم! أي أنه لون جميع آيات القرآن الكريم وغمرها بالنجاسة! ومما يقال ان سر الفعل هو أنه من مستلزمات بعض ضروب السحر الأسود، ويقال أيضاً أن بعض الشياطين لا يمكن تسخيرها إلا بكتابة الآيات الكريمة معكوسة، أو بطريقة مشوهة تستصحب التوهين والتحقير والعياذ بالله، ومن الشياطين ما لن يرضى حتى بهذا المقدار، حتى تكتب الآيات بالعذرة والدم أو غيرها من النجاسات!

أقدم صدام على فعلته النكراء هذه جهاراً نهاراً، وأخذ يتباهى ويفتخر! ولم نسمع إلا إدانات خجولة، واستنكارات لم تتجاوز مقالات محدودة في الصحافة الكويتية وصحف المعارضة العراقية آنذاك.. لم ينبس الإسلاميون ببنت شفة، لم يتحرك الخصاونة ولا علّقت الجزيرة ولا انتفضت المستقلة، ولعليّ لا أبالغ إن زعمت أن رد الفعل آنذاك لم يبلغ عشر معشار رد الفعل الحالي على قضية غوانتنامو.

كنت قد ناقشت في حينها أحد الأخوة المتطرفين التكفيريين وأبديت له عجبي من سلبيته واستخفافه بهذه الجريمة النكراء، فرد بما معناه أن القرآن ليس بالجلد والورق الذي دوّن عليه، وراح في بحث متناقض أقرب إلى اللف والدوران، وخلص إلى أن المصحف الشريف شيء والقرآن الكريم شيء آخر … وأن لا قيمة للأثر والمادة والعنصر وكل محسوس ملموس هنا، وأن تعظيم المصحف لا يبعد أن يكون ضرباً من ضروب الوثنية والشرك!

وصرح لي بوقاحة أن حساسيتي من الموضوع لها جذور “قبورية”، وأن مردها هو النهج الشركي الذي ينغمس فيه مذهبي! وأخذ يسخر من بعض مظاهر توقير المصحف الشريف كتقبيله والتمسح طلباً للبركة!

دعونا عما يفعل الغير ويقدم عليه الآخرون، خصوصاً إذا كنا نصنّفهم أنهم أعداء، وتعالوا إلى ما نفعله نحن بأنفسنا، وموقع القرآن ومكانته عندنا، حرمة المصحف الشريف ووجوب توقيره وتعظيمه…

تعالوا إلى حملة من الإسقاطات لنعالجها، ونخرج مما يترتب عليها، ثم لنعتب
أو نغضب أو نشجب وندين ما يفعله الآخرون من أهل الملل والنحل التي لا يرون القرآن كتاباً منزلاً من عند الله ..

ما هي القضية؟ هل الأمر محسوم من الناحية الشرعية أم هو خاضع للإجتهادات؟ وإذا كان الرأي الفقهي للجماعة التكفيرية بهذا الشكل، فلماذا هذه الغضبة والحملة الاعلامية؟ أم تراها من قبيل تلك التناقضات التي شكلت بعض الانشقاقات في صفوفهم حين نشرت صور الملا عمر وهو يلوح بعباءة منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والجموع من حوله يتهافتون للتبرك بها؟

لا أظن هذا ولا ذاك، ما الأمر إلا استغلال أية ثغرة للدفاع عن الإرهابيين المعتقلين في غوانتانامو، واقتناص أية ذريعة وحجة لتأليب الشارع العربي والإسلامي على الأمريكان ووجودهم في العراق وغير العراق.

إن هذه المفارقات ينبغي أن تدعو المتحمسين والمجروحين في مشاعرهم من عامة المسلمين للتساؤل عن حقيقة “الفزعة” والثورة الحالية:

هل هي للقرآن والمصحف الشريف، فلماذا لم تكن نفس الفزعة عندما نجس صدام القرآن وأهان المصحف الشريف؟ أم هي لمعتقلي غوانتانامو… أحبـاً في صدام وبغضاً في أمريكا؟ إنها ثغرات في داخلنا، وإشكالات فكرية وسلوكية علينا معالجتها والتخلص منها قبل إدانة أمريكا أو لنقل مع إدانتها.

26/6/2005 صحيفة الوطن –