حتى المارينا والأفنيوز ؟!

لم يهبنا الله في الكويت بيئة جميلة أو طبيعة خلابة، ولا حتى متنوّعة من سهول وجبال، أو أنهار وبحيرات، لا ربوع خضراء هنا، ولا حقول ممتدة ولا بساتين غناء وارفة… إنما هي بيئة صحراوية جافة، وطقس لا يطيقه إلا أهل الكويت الذين عشقوا هذه البلاد وهاموا حباً فيها، وبعض المقيمين الذين يسجل فيهم شعور غريب من التعلّق بالكويت، يتجاوز المصلحة المادية وأسباب العيش والكسب فهم يحبون هذه البلاد حقا.

لهذا الطقس وتلك البيئة، ينحصر الترفيه والاستجمام هنا في نطاقين أو ثلاثة: المجمعات التجارية (المولات)، والمطاعم، ثم البحر بشواطئه وأنديته ورياضاته.

لا يملك من يريد الخروج بأهله وعياله ليرفه عنهم إلا أن يصطحبهم إلى أحد المجمعات التجارية، ليتسوَّقوا شيئاً، ثم يتناولوا وجبة في بعض المطاعم المنتشرة هناك.. هذا أقصى ما يمكن لربِّ الأسرة متوسطة الدخل أن يقدم لأهله من ترفيه واستجمام، وغاية ما هو مبذول أمامه، مما يمكنه تحمل كلفته، فيغنيه عن استئجار شاليه في الخيران، ناهيك عن بعض المنتجعات التي أصبحت وكأنها مخصصة للنخب والطبقة المخملية، المستغنية أصلاً عن الترويح في الكويت، بالأسفار السياحية.

في ظل هذا الوضع وهذه الحال، كيف يمكننا تفهم وتحمل ما تقوم به الهيئة المنظمة للمهرجانات المتعددة من تحويل مجمعاتنا التجارية، هذا المتنفس الترويحي الوحيد، إلى قاعات وصالات مفتوحة للوعظ والإرشاد الديني؟

هناك مرتادون للمجمعات يريدون أن يتسوقوا، وهناك أصحاب محلات، يدفعون إيجارات ويتكبدون مصاريف ونفقات باهظة من عمالة وإدارة وما إلى ذلك، يريدون أن يسترزقوا، وآخرون يريدون التنزه والترفيه، وغيرهم يريد أن يرتاض ويحرق بعض السعرات الحرارية! وهناك من يريد أن يتسكع، نعم يتسكع! ضاق صدره من البيت، أو ملَّ الدراسة والمذاكرة للامتحان، أو طاش غضباً على زوجته، فجاء بريد أن يقضي بعض الوقت في مكان نظيف مكيّف… ما ذنب هؤلاء ولماذا يجبرون ويقهرون على الاستماع المواعظ رجال دين؟ بل هناك متدينون، ولكنهم يختلفون مع بعض المدعوِّين من رجال الدين؟ ولا يرتضونهم، لماذا تجبرونهم لحضور هذه الدروس؟

لست معترضاً على مدير المشروع ( في جانبه الديني) فحسب، كونه من الذين وقعوا على عريضة الدفاع عن العريفي، ووصفوه بأنه صاحب طرح معتدل ويعزز الثوابت والقيم، وهو من كفّر الشيعة ومراجعهم، ولعمري، لست أدري كيف يكون التطرف والغلو إذا كان العريفي الذي أدانه علماء السعودية ومستشار الديوان الملكي السعودي نفسه، معتدلاً؟ لست معترضاً على الشيخ العوضي وبرنامجه هذا فحسب، بل أنا لا أريد لمجمعاتنا التجارية وأسواقنا أن تتحول حتى إلى مساجد وحسينيات للشيعة أيضا!

لعمري، ألم تكفهم مئات المساجد والمصليات والجمعيات والمراكز، وعشرات القنوات الفضائية، ومثلها من الصحف والمجلات والتسجيلات والمكتبات الإسلامية والنشرات التثقيفية المبثوثة في المستشفيات، ألا تكفي منتديات التعبئة الطائفية التي تروج لثقافة التكفير والكراهية في شبكة الإنترنت؟ الا تكفي حصص التربية الإسلامية التي يقفز فيها جل الأساتذة على مقررات المنهج، ويخوضون بما يربي جيلاً متعصباً متطرفاً؟

ألم يكفهم كل هذا حتى جاؤوا ليسرقوا من الناس بسمتهم، ويخنقوا الفرحة في صدورهم، ويقلبوا ساعة الترفيه إلى مواعظ ودروس ومحاضرات، أقل ما يقال فيها أنها خارج عنوانها الطبيعي ومكانها المقبول؟

إنها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، إذ لم يرد نص يسمح بهذه الممارسة، وما جاء في الأثر، حتى في عهد النبي والصحابة أنهم قلبوا الأسواق إلى مساجد ومدارس دينية!

ليذهب من يريد الدروس الدينية إلى المساجد ويحضر ما يتزود به لآخرته هناك، ويترك من يريد الترفيه البريء، والمباح، لمن يريده في المجمعات التجارية دون تعكير صفوه وإفساد فرحته.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو سريان وتفشي الوجود والحضور الديني والاجتماعي للتيار الإسلامي خارج مواقعه ومراكزه المعهودة والطبيعية، وتشعبه وانتشاره وحركته في سياق يرفد تغيير الهوية الاجتماعية للكويت.

هل علينا أن نترقب في المستقبل (ولا أظنه البعيد) إغلاق المحلات والأسواق مع رفع الأذان للصلاة، ونشهد داعية يجول بسواك في فمه، وعصاة في يده، يضرب بها على الواجهات الزجاجية لمحلات الأفنيوز، ويخبط على طاولات المقاهي في المارينا، ويلوّح بها للناس وينادي: صلاة، صلاة؟!

مئة سؤال وسؤال:

إلى معالي وزير الشؤون: تمتنع بعض الجمعيات التعاونية عن بيع السجاير، وهي من السلع الضرورية لبعض سكان المناطق، خاصة في غياب البقالات، ورغم أن التدخين أمر مضر بالصحة، لكن من الذي سمح لمجالس إدارات هذه الجمعيات التعاونية بممارسة الولاية على الناس؟ خاصة أن المنطلق في هذا الحظر هو منطلق شرعي (كما يصرح أعضاء الجمعية)، أي حرمة التدخين، فلا يريدون الترويج لمنكر، ولا يريدون للمساهمين أن يدخل في مالهم السحت (من مردود بيع سلعة محرمة)! ولما كانت الحرمة منحصرة في تيار واحد من مذاهب المسلمين، هو التيار المتطرف، فيرجى إفادتنا عن المستند القانوني الذي يسمح بهذه الممارسة.

جريدة الدار 25/4/2010