هناك معايير وقياسات (ستاندارد) تضعها الدول كضوابط تحكم علاقاتها وتنظم ارتباطاتها، سواء بالدول، أو بالجماعات والأحزاب أو المنظمات العالمية والشخصيات ولا أريد بالمعايير المصالح، فهذه ليست ضابطة كما لا يخفى بل هي الأصل والأساس في الحركة السياسية… إنما أريد ما تعمد إليه الدول من تشريعات وقوانين تضبط المسير الاستراتيجي لـ «المصالح»، عبر منظومة متكاملة ترقب الأهداف والغايات وتلحظ الهوية والثقافة وترعى القيم والأخلاق التي تتبناها وتؤمن بها.
في أميركا ومعظم البلاد الغربية مثلاً، يضعون الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، ضابطة لدرجة انفتاحهم وتعاونهم مع الأنظمة السياسية في العالم، ولا نبحث هنا في التطبيق ومدى الالتزام إنما في جانبين: التقنين وما يرسم صورة واضحة محددة المعالم والضوابط للسياسة الخارجية للدولة، ثم فتح باب المساءلة أمام المؤسسات الرقابية كالبرلمان والصحافة. فإذا كانت اميركا تدعم بينوشيه في شيلي، وتسحق كل قيمها ومعاييرها التي طالما نادت بها، فهي تفتح الباب للكونغرس للمساءلة والملاحقة وتلزم نفسها بعرض ما يبرر هذا الأداء الخارق لـ «الستاندارد» الأميركي.
هي في الستينات والسبعينات كانت القومية العربية، و(الكويت بلاد العرب) هي الأساس الأهم والأصل الأخطر الذي حكم علاقاتنا بالآخرين، نصرة وإعانة، ودعماً أو رفضاً وعداء، وترتبت على ذلك سياسات ومواقف ومصاريف وميزانيات مهولة، وتخندق في جبهات ومحاور خطيرة، ثبت بالقطع واليقين أن جلها كان خاطئاً بل خطأ وإثم كبير.
الحق أن شريحة عريضة من الشعب تتوجس اليوم خيفة من العودة للخطأ نفسه عبر المنظومة الإقليمية بعد سقوط القومية!
نحن في الكويت، وإن لم تكن لدينا ضوابط ترسم لمواصفات وقياسات تحكم سياساتنا الخارجية، ولكننا في الوقت نفسه نتحسس وندرك بالوجدان والفطرة، وبالطبيعة التي جبلنا عليها في هذا البلد، وبما علمنا التاريخ بمره وعذبه ولقننا من دروس قاسية، نتحسس وندرك المواصفات الكويتية، وهي – بلا شك – لا تلتقي مع دول لا دستور لها ولا حرية فيها. ولا شأن لنا بهذا، فهي حرة مع شعوبها، ولها أن تكيف النظم التي تناسبها، ولكنها – بالقطع واليقين – ليست صالحة ولا قابلة للاستيراد هنا أمام الخرق الخطير الذي أصبحت ساحتنا تعيشه، وما ينذر بانقلاب الثوابت والمعايير الوطنية الكويتية إلى ثوابت تستقي معاييرها من «الأمة». ولو كانت «الأمة» أمة الإسلام لهان الأمر ويسر الخطب، إنما هي «أمة» وضع معالمها أرباب مدرسة تأسست على التكفير ونبذ الآخر وإقصائه، وامتهنت على مدى تاريخها العنف والإرهاب، ونشأت على قيم أقل ما يمكن أن يقال في حقها ان الكويت خاضت حروباً لصدها، وقدمت شهداء لمنع تصديرها وتوغلها، وها هي اليوم تعلن وتصرح بولائها لفكر غير كويتي هذا في الأقل، وإلا فالولاء هو للأكبر والأخطر من مجرد الفكر.
بل تتباهى وتتحدى وتستقوي بتحولها إلى رقم لنفوذ نظام آخر في الكويت، وقوة بيد سلطة أخرى وأمراء من غير آل الصباح!
إن توحيد شبكة التغذية الكهربائية أمر يمكن تفهمه، ولكنني أحذر، أو أنقل توجسات وهواجس من مسألة توحيد العملة، وأية خطوات «وحدوية» أخرى تسلبنا خصوصياتنا وتزري بمواصفاتنا الكويتية، فلا نريد أية خطوات تمهد لبلعنا لقمة سائغة، ومسخ هويتنا المدنية التعددية المتسامحة، إلى هوية العصا والذقون القذرة التي ما عرفت سنة رسول الله في أبسط مراتبها كالتسريح والتنظيف، فكيف عساها أن تعرض دينه العظيم وتضبط وترسم وتعلمنا «ثوابت الأمة»؟!
حتى لا نُبتلع ولا نُزدَرد لقمة سائغة، يتناولها صلِف نطِف بلا تسمية باسم الله بـ «خمس» تضرب وكأن الشاة التي يلتهم نطحته قبل ذبحها، ثم يمسح ما علق بيده من دسم بلحيته، وهو يمجّد أو يدعو بعزة غير أمرائنا وشيوخنا من آل الصباح! أو حتى لا نُذبح يوماً ونُنحر تجاه القبلة، على وقع التهليل والتكبير! ….
علينا أن نبقي الكويت حرة مستقلة، عزيزة قوية، منيعة مريرة على كل طامع، وعلينا أن نقطع الطريق على الخونة من أي اتجاه كانوا، وأينما بجذورهم وولائهم ضربوا . وعلينا أن نعيد النظر ونتريث في علاقاتنا، ونبنيها على أسس لا تسمح لأي أجنبي بالتدخل في شأننا الداخلي إيرانياً كان أو عربياً أو خليجياً.
مئة سؤال وسؤال
إلى معالي وزير العدل والأوقاف: لماذا تجاهلت وتغافلت وزارتكم عن رأي الجعفرية والزيدية في الموسوعة الفقهية الكويتية؟ ولماذا هتكت البحث العلمي وأزرت بمفهوم ومدلول الموسوعة ؟
جريدة الدار 21/3/2010
