كثيراً ما تساءلت وتدبرت في سر التشنج والتوتر والانفعالية التي يعيشها أتباع التيار التكفيري ويعمدون إلى تعميمها على الساحة السياسية والاجتماعية، حتى تسري على الوطن كله، بل – في بعض المواقع – على الأمة بأسرها!
افتعال للأزمات وشحن للأجواء وتسويل وتهويل، وتعبئة وتجييش، رعد وقصف، شرر يتطاير وحمم تتقاذف، وحالة من الهستيريا تخرج القوم عن وقارهم واتزانهم وتأخذهم – وفيهم نواب ورجال دين (وفي المفترض رجال دولة) – إلى ممارسات ساذجة وبعضها سوقية، ونداءات فوضوية وهمجية لا تتوافق مع أوليات العقل والمنطق ولا تنسجم مع بديهيات القانون والعقد الاجتماعي والتعايش مع الآخر، بل الإحساس بوجود آخر! .. ولا يبالون ولا يعبأون إن تهددت الوحدة الوطنية والعيش المشترك بل السلم الأهلي، ناهيك بالوئام والتكافل الاجتماعي.
هناك هامش يحكمه الطبع الأوّلي، يدور في الحدة والغلظة ويرفد الغلو والتطرف يستمد من جلافة الصحراء وخشونة البيئة كنا نظن أن الحياة المدنية والتداخل مع الأجواء الحضرية قضت عليه، أو خففت من غلوائه ووطأته، وإذا به على عمقه وتجذره، بل لعله استشرى واستفحل، إذ قيل فيه:
لقد غلب التّطبُّعُ من طباعِ
فتربيةُ المربَّى لن تُفيدا
يُحَسِّنُ صَقلُنا ذَهباً ودُراًّ
وليس يُغَيِّرُ الصَّقل الحديدا
ولكن الأمر لا يتوقف هنا والأسباب لا تنحصر في هذا الهامش الذي يكاد يكون طبيعياً ويمكن تفهمه شيئاً ما، أو هو لا ينذر بخطر ولا يبعث الخوف، فالأيام تنسي الخطير فكيف بالحقير، والقانون، وأريد تطبيق القانون كفيل بالإرغام والترويض والتأديب والتطويع، فهاهم – في الجوار – تركوا الغارات وسلب الحجاج بعد إغداق خيرات النفط، وها قد انتظموا وخضعوا بعصا الحزم وسياط الشدة.
هناك أسباب أخرى وبواعث خفية لنزعة الحدة والتشنج هذه، وللانفعالية التي تخلق الأزمات. هناك من يقف خلف تعظيم التوافه، وتكبير الصغائر، وتهويل الخطأ البسيط ليغدو خطباً فظيعاً ويظهر حادثاً جللاً. ولو أنهم تجاهلوه ومروا عليه مرور الكرام لما تفاقم ولا فتح باب الفتنة.
لعل البداية كانت رد الفعل المتشنج على كلمة عابرة للنائب صالح عاشور حول تسمية شارع المغيرة بن شعبة، وما تلا ذلك من تهييج قضية فردية عابرة ونادرة! وفتح الباب على المحاكم والملاحقات الجزائية والمطاردات الماراثونية التي تحدَّث العفو الذي أراد إطفاء الفتنة وقطع الطريق على هذا العبث، وانتهت باللجوء السياسي الذي سجل سابقة خدشت صفحة طالما فاخرنا بها بعدم وجود سجين رأي واحد في الكويت، ثم قضية التأبين! واستمر الأمر حتى وصل مؤخراً إلى إبعاد السيد الفالي ومحاكمته (ولا تسلني كيف سبق الإبعاد المحاكمة، ولا تعجب إن كان الحكم البراءة!)، ثم فتنة مهرّج إعلامي في برنامج رمضاني أشعلها بإنكار ظلامة الزهراء، ففتنة مركز « وذكر » سواء بملصوقاته التحريضية أو بدعوته الأخيرة لإحياء سنة الاحتفال بيوم عاشوراء واتخاذه عيداً، وأخيراً مبرة الآل والأصحاب، وهو لغم دسّه أصحابه وأخفوه في أرض الوطن، عبر ما تعمد إليه المبرة من نفي وجود التشيع واقتلاع الجذور الفكرية والعقدية للمذهب في مصادرة فجة ومناجزة وقحة باسم الوحدة، فيا لله وللوحدة: ثم كان ما كان في الدفاع عن العريفي والانتصار « والفزعة» وأفكاره المتطرفة.. وهناك شواهد وحالات أخرى لا تخفى على المتابع وغير المتابع، فالجميع أصبح مرغماً على المتابعة إذ غدا الأمر يمس المصير ويصيب صميم الواقع المعاش! أخيرها وليس آخرها، قضية هوسات الزفاف التي نالت من ابن باز وابن عثيمين والعرعور.
