هناك من يعزو حالة التشنج والهستريا التي تعيشها الحركة التكفيرية وتعكسها على ساحتنا المحلية بقسوة وضراوة (يعاني منها السنة والشيعة على السواء)، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يعزوها إلى تداعيات التغيير الإستراتيجي الذي طرأ على القرار الأميركي وتحوله من الداعم إلى المحارب. ما أدخلهم في صراع أصبحوا فيه – يوماً بعد يوم – وحيدين بعد أن لم يبقوا لأنفسهم ناصراً ولا خلوا على معين، نتيجة لفكرة التكفير وسياسة التخوين التي طالما بثوها حولهم ورموا بها من لم يكن معهم، فانعزلوا عن الأمة، وانفردوا بالمعركة، حتى أصبحت في أفغانستان وباكستان قبلية بحتة، وفي العراق خاضعة لقرارات مخابرات بعض دول الجوار.
وما نتج عن ذلك القرار الأميركي التاريخي من إسقاط نظام طالبان في أفغانستان الذي كانوا يعوّلون عليه ويبنون أحلام «نواة الإمارة الإسلامية العالمية» التي ستعيد مجد الأمة المضيّع!
ثم رماهم الله بثالثة الأثافي والطامة الكبرى التي وقعت في العراق، بسقوط النظام البعثي الذي (كان قد نسق في سنيه الأخيرة وارتبط بالقوم في أيام الحصار، حين طبع على علمة عبارة التكبير وصار صدام حسين الرئيس المؤمن وحامل راية التوحيد وجهاد الكفار، وأطلق أيديهم لتأسيس المدارس والمساجد والمراكز الدينية التي أدخلت المدرسة التكفيرية الى العراق وأسست لها ونشرتها فكان منها ما كان من الإرهاب والفساد والتدمير والتفجير!)، حيث انقلب الأمر ووصلت الأكثرية إلى السلطة لأول مرة في تاريخ هذا البلد منذ مقتل أمير المؤمنين عليه السلام على يد الخوارج.. إنهم يرون في سقوط صدام وتحول العراق إنقلاباً ينذر بخارطة جديدة تتغير فيها الموازين.
ومن هنا ترى هذا التشنج والتوتر… إنه الإفلاس والخواء الذي لا يداريه إلا هذا الضجيج والصراخ!
لقد سقطت جل أدبيات هذا الفكر ولم يبق من خطابه الأول إلا جانب واحد هو عداء المذاهب الإسلامية الأخرى، فكان لا بد من تأجيجه وإذكاء وقدته، عسى أن يواري سوءاتهم المفتضحة…
سقطت معالم الفكر بدءاً من تهافت مشايخه على التصوير، الفوتغرافي والتلفزيوني، وهو من أنكر المنكرات عندهم، وتنافسهم على صفحات المجلات، وانتهاءً بحياة الترف والبذخ التي أصبحوا يضاهون بها التجار والأغنياء، وقد فصلتهم عن حياة الزهد والتقشف التي كان عليها «السلف الصالح»، وهم الذين يفترض أن يكونوا القدوة الداعية إلى أولئك.
وسقط فكرهم مع تعليم المرأة ودخول بناتهم المدارس، وخروج نسائهم إلى العمل في الدوائر الحكومية ومخالطة الرجال من زملاء ومراجعين، وأخيراً دخولهن ناخبات لمرشحي مجلس الأمة ومرجحات الكفة ومحددات الأكفأ ومساهمتهن – بذلك – في شأن من شؤون الولاية العامة، وهن الناقصات عقلاً وديناً!
بل سقط بدخول الرجال في العمل السياسي! نعم، ففي المبادئ الأصلية للفكر التكفيري، تعد الديمقراطية كفراً، والاحتكام لرأي الأغلبية فسوقاً، ولا يسعفهم تلاعبهم بالقسم القانوني وتخلفهم عن الوقوف للسلام الوطني، فالأمر أعمق من هذا وأخطر، فهم يخضعون للدساتير الوضعية ويعرضون أنفسهم – تطوعاً ورغبة – للعمل بالقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، وإن كانت هناك قراءة خارجية ذكية وخطاب داخلي تنظيمي سري يسكن فورة الاتباع ويخدّر توجسهم، بأن كل ما ترون من تخل عن المبادئ « وتنازلات» هو من قبيل (الحرب خدعة).
والسقوط الخطاب التكفيري لا يقف هنا ولا ينتهي عند هذه المعضلات، فهم أمام واحدة من أخطر ما هتك به فكرهم، أي عصيان ولي الأمر والتمرد على طاعته حتى إذا أرادوا معالجة هذا الانحراف بتقسيم تنظيمي جديد يفرز جماعة في سلفية علمية مقابل أخرى جهادية، وقعوا في إشكالية أكبر أمام قاعدتهم التي صار الواعون فيها يحاسبونهم على تقاعسهم في قضية فلسطين وحصار غزة بعد حربها وتدميرها، ويأبون الإنجرار إلى ناعورة الطحن الطائفي وأبواق الشحن التي تشغلهم عن قضاياهم الأصلية، والهموم الإسلامية الكبرى والحقيقية عاد خطاب المعتدلين منهم ليعلن صراحة وبالنص: « إن الشيخ أسامة بن لادن نموذجاً فريداً وهو مجاهد وبطل وتسأل الله له النصر على أعدائه وأن الحركة تؤيد القاعدة في جهادها وتتمنى وجود مثال لحكم طالبان في الكويت» ! (انظر المقابلة في جريدة النهار الكويتية، تاريخ 28/10/2007، العدد 55)
مئة سؤال وسؤال:
إلى معالي وزير الإعلام: قامت وزارتكم بتقديم عدة شكاوى ضد علماء دين وصحافيين وصحف إلى النيابة العامة بتهمة الإساءة إلى ابن تيمية!… هل قامت وزارتكم بتقديم شكوى واحدة فقط ضد من أساء إلى الشيخ نصير الدين الطوسي قدس سره الشريف؟
جريدة الدار 1/3/2010
