الوحدة الإسلامية هدف نبيل ومقصد شريف وغاية عزيزة، لاحقها على مدى التاريخ وطلبها كثير من المصلحين الشيعة والسنة، وذلك لعظيم خطرها وشديد الحث عليها فيما أمر به الشارع المقدس وندب إليه، كقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، وقوله: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، ثم للآثار الكبيرة التي تترتب عليها من قوة المسلمين وعزتهم، وتآخيهم وتراحمهم.
والملاحظ أن جُل مساعي الوحدة الإسلامية كانت تأتي من الشيعة، الذين أبدوا حرصاً يفوق ما ظهر من الطرف الآخر، ولعل السبب هو النسبة العددية، وكونهم أقلية، تتلقى الهجمات وتواجه الاتهامات وتنشغل بالرد والدفاع، ما جعلهم أقرب لاستشعار الخطر وتحسس الأضرار المترتبة على التنازع والاختلاف، وإن انطلق بعضهم من منطلقات منحرفة جعلتهم يميعون الهوية الشيعية وينادون – في واقع خطابهم – بالالتحاق بالسنة، وآخرون مخلصون صاروا يتطلعون إلى هداية السنة و((استبصارهم)) كما يعبرون … لكن هذا وذاك لم يغير الصورة العامة للمشهد الوحدوي الذي ترتسم معالمه ويخط عنوانه الكبير: الجمع والتركيز على المشتركات، والسكوت عن مواطن الخلاف وتركها للحراك الداخلي بين كل طائفة أو فرقة.
هناك طريقان للوحدة الإسلامية لا ثالث لهما… الأول البحث العلمي والحوار والاحتجاج، مما يكون بين العلماء، في أجواء من الهدوء والاتزان، والاحترام المتبادل والتزام الأخلاق والآداب، وذلك بعد التخصص والاحتراف، ولا يكون ذلك في لقيط يرفع لواء المحاججة وينبري للبراز، ولا من عميل يقتات ويعيش على عطايا دوائر المخابرات ويمتثل أوامرها، فيتصدى للمواجهة ويطلب النزال، بل من علماء أتقياء يتحرون الحقيقة، ونفوس سليمة تتحرق لإنهاء الخلاف والنزاع بين المسلمين، وتعيش الوحدة هاجساً وأمنية… هناك يعرض كل فكرته وعقيدته، ويبسط لها الدليل ويقدم الحجة، ويبطل ما لدى الخصم ويفند رأيه، فينتصر ويغلب، فلا يملك المهزوم إلا الخضوع والتسليم، فيغير مذهبه وينتقل إلى المذهب الآخر فتتحقق الوحدة… وهي طريقة صعبة وعسيرة، وتكاد تكون مستحيلة عملياً، ولم يسجل التاريخ تحققها إلا في حالات نادرة، منها ما قام به المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين في حواره مع إمام الأزهر المرحوم الشيخ سليم البشري، الذي استبصر في النهاية، مما سجّل في السفر النفيس المسمى بالمراجعات.
والمسلك الثاني للوحدة الإسلامية هو أن يبقى كل على معتقده، ويمضي على مذهبه، وأن يجري البحث عن مواطن الاتفاق بين المذاهب، بل الفرق الإسلامية للخروج بالقواسم المشتركة، ثم تركيز الخطاب الإعلامي والثقافي على هذه المشتركات والترويج لها، وتجاهل مواطن الخلاف وعدم إثارتها في الملأ، فتصفو النفوس وتتقارب القلوب وينقطع التنازع والتخاصم، وتتحقق الوحدة.
والمشتركات كثيرة جداً تتجاوز نسبتها 85 في المئة على مستوى العبادات والأعمال، أما العقائد فتترك لقناعات كل طرف.
وليس هناك مسلك ثالث ولا طريق أخرى بعد هاتين! والتكفيريون يعرفون هذه الحقيقة جيداً، وهي لا تتوافق مع مشروعهم في الفتنة ولا تلتقي بأهدافهم في بث الفرقة والنزاع وإشغال الساحة بالتناحر والاقتتال الداخلي، وبين هذه الطريق للوحدة وتلك، تراهم يدلسون ويغالطون، ويمارسون الكذب البواح والنفاق الصراح، فيرفعون شعار الوحدة والألفة بين الطوائف الإسلامية، كعنوان توافق الآل والأصحاب، مما يوهم ويلبس، ثم يعمدون إلى ما يخرج الشيعة عن الإسلام ويدعو أتباع المذهب الجعفري لترك مذهبهم والتنكر لهويتهم، وذلك في مصادرة أقل ما يقال فيها إنها كاذبة منافقة… فلا هم يتناظرون مع علماء الشيعة ويعقدون مجالس الحوار والمحاججة، لنرى أيّ المذهبين أحق، ولا هم يطرحون المشتركات لنلتقي عليها ونترك الخلاف لموضعه ومكانه، فنحاسب عليه في الآخرة ويأخذ كل جزاءه هناك، بل يجتمعون وحدهم منفردين، ويثيرون الإشكالات على الشيعة ويوجهون الاتهامات، ويجيبون هم عن الشيعة وينقلون أقوالهم (كما يشاؤون)، ثم يردون هم إجابات الشيعة ويبطلون ردودهم، ويخرجون بالنتيجة التي يريدون!
هذه هي طريقة التكفيريين التي رأيناها ونراها في قنواتهم الفضائية ومواقعهم الالكترونية وكتبهم وإصداراتهم وندواتهم، كلها افتراءات وأباطيل ينسبونها إلى الشيعة أو يشوهون مقولاتهم، ثم يصدرون أحكامهم وفقها، ويمضون …. إن التكفيريين يعكسون بهذا الأداء صورة تامة لواقعهم الذي يمثل قمة الإرهاب الفكري، وذروة الاضطهاد الطائفي، ونهاية الإكراه الديني.
ولكن الغريب والمفاجئ أن وزارة الأوقاف احتضنت مؤخراً مؤتمراً لجماعة الآل والأصحاب هذه، التقى فيه لفيف من أقطاب التشدد والغلو والتكفير، من الداخل والخارج، من لائحة العريفي وشاكلته إلى جماعة المستقلة والراقصين على طنبورها البريطاني!
جمعتهم من شتى بقاع الأرض ليلتقوا هنا في الكويت، أرض المحبة والوئام، وموطن التعددية والوسطية، وبلاد الحرية والديمقراطية… وإذا بوزارة من حكومتهم تجمع هؤلاء ليسلقوا الشيعة بألسنة حداد أشحة على الخير، بخلاء على التفاهم والحوار والالتقاء. ولم يطب لهم إلا أن يعملوا نفوذهم ويخترقوا الرقابة ويبثوا تسجيلاً للمؤتمر من القناة الرسمية لتلفزيون الكويت، في إحدى ليالي الشهر الفضيل، شهر الرحمة والمغفرة والتوبة، ليحولوه إلى شهر ضغينة وخصام ونزاع!
المؤتمر خرج بتوصيات منها مطالبة الشيعة بتصحيح تراثهم وعدم الاكتفاء بالتنكر لمن يسب الصحابة، ومطالبة السنة بإعادة كتابة التاريخ و”تنقيحه”، وفي الحقيقة تزييفه وتزويره، بما يلغي كل خصومة وعداء، حتى ما كان بين عبد شمس وهاشم عليه السلام، وبين أمية وعبد المطلب، عليه السلام، وبين حرب وأبي طالب عليه السلام، وبين أبي سفيان ورسول الله، صلى الله عليه وآله، وبين معاوية وعلي أمير المؤمنين، عليه السلام، وبين يزيد والحسين سيد الشهداء عليه السلام! ولم يقل كيف يكون ذلك وعلى أي أساس علمي؟ لكنه جزم بأن الصحابة كلهم عدول متآخون لا خلاف بينهم ولا نزاع، ناهيك عن الحروب والدماء، وقال عثمان الخميس أنه لا يريد مجرد كلام، بل يريد أفعالا من المؤتمر، وأن يتخذ خطوات عملية لتطبيق هذه الفكرة وتحقيق المشروع الذي اقترح! و من لطيف ما سمعته في المؤتمر، وكان المتحدث شيخاً هندياً فاتني اسمه، أنه سجل اعتراضه على المحاضرين الذين كانوا يذكرون علياً بلقب الإمام، ولا يذكرون عمر بنفس اللقب، وانهم يترضون على هذا، بينما يختصون علياً بـ”عليه السلام” كان يستشيط غضباً وهو يستنكر هذه الحالة من رفاقه وأصحابه!
فيا لله وللوحدة الإسلامية، ويا لله وللروحيات السمحاء والنفسيات السليمة والعقول الراجحة التي تريد أن تعالج احتقان الشارع وتداوي آفات النزاع والخصام بين المسلمين!
إنه مزلق خطير أن يمتد نفوذ التكفيريين، ويبلغ ما يتهدد صورة البلاد وسمتها التاريخية، ويقلب الكويت إلى ضفة التطرف والغلو، ويجعلها حاضنة تستقطب المتطرفين من الهند وإفريقيا وجنوب شرق آسيا… فهل من محاسب؟!
جريدة الدار 29/8/2010
