أخطر جرائم صدام – القبلية..

لعل التعبير بأشنع وأفظع وما إلى ذلك، أنسب وأبلغ في بيان هول الجريمة… ولكن الحديث ليس عن شنّ الحروب وقصف المدن وغزو الجيران وتدمير الآبار، ولا عن القبور الجماعية والإبادة العرقية واستخدام الأسلحة الكيماوية وتصفية المعارضين وتهجير المواطنين واغتيال رجال الدين… بل هو عن جريمة قد تخفى – في هذه الزحمة وأمام الظهور الفاضح والمهـول للجرائم الأخرى – وتغيب عن كثيرين، ذلك لقدرتها في إخفاء نفسها والاستتار خلف ذلك الدخان الكثيف!

إنها العودة بالعراق إلى العهود البدائية والعصر الجاهلي..

فالبشرية طوت منذ أمد التسلسل الطبيعي لتكوين المجتمعات والدول: من جماعات البدو الرحل، إلى التجمعات البدائية حول منابع الماء وأسباب الزراعة، فتكونت البيئة الريفية والقروية، والاستقرار الجزئي عبر الاستغناء عن الرعي بالتعليف، وعن الهجرة والرحيل بحثاً عن الماء بحفر الآبار وشق القنوات وبناء الخزانات… وهكذا حتى ظهرت الصناعة وتطورت وسائل النقل فتكونت المدن والحواضر.

ومع كل مرحلة، كان الإنسان يكتسب شيئاً من المعارف والآداب وأنماط السلوك، ويتخلى عن أشياء.

هكذا بنيت المدينة، ونشأت المجتمعات الإنسانية المدنية، وقامت الدول وأنظمة الحكم المتقدمة، وفي هذا الطريق تتسابق الأمم لتزدهر وتكون حضارتها…

ومما يسقط أثناء السير المرحلي للمدنية والحضارة هو النزعة القومية والنظرة العرقية، من خلال سقوط أسبابها ودواعيها. فالتخالط والعشرة والجوار والتعاون، وضرورة الآخر، للحاجات المتبادلة بين الناس، وما إلى ذلك من مظاهر الحياة المدنية، كون جملة من القيم وتراجع بأخرى..

فلم يعد المدني يعبأ ولا يهتم للقبيلة التي انحدر منها، ولا العشيرة والفخذ الذي ينتسب إليه، فليست هي التي تمنعه من الآخرين، ولا هي التي تمكنه من حقوقه وتفسح له المزيد من المكاسب، ففي الحياة المدنية هناك شريعة وقانون وهناك نظام.

هكذا وعلى هذا الطريق نشأت المدنية في العراق… وكان الرواد الأوائل للنهضة في العراق يسعون إلى تمدن المواطن العراقي في فكره وسلوكه وقيمه، وإن عـاش الريف والبادية، وقفزوا في تشريعاتهم على القيم القبلية وتجاوزوها.

وللأمر مظاهره التي انعكست على الملبس والمأكل والعادات والأعراف. وكان السعي لقفزة على صعيد القيم ونمط التفكير، تواكب هذه المظاهـر وتنتقل بالفكر والذهنية البدوية أو البدائية إلى العقلية المدنية المركبة والحديثة.

إن الخطوة الأولى تكمن في تكوين هيكل عام لبناء الدولة الحديثة، يليها الانتقال بهذه الدولة إلى الدولة المتقدمة، حيث تترسخ القيم المدنية وتتكامل وتتهيأ أسباب فتنشأ دولة المؤسسات والقانون التي تكفل الحرية والعدالة والمساواة، وبعد التطور، النضج التام وطي هذه المرحلة، تدخل البلاد في ركب التطور العلمي المدروس وتتنامى أسباب الرقي الصناعي والاقتصادي والفني وما إلى ذلك حتى تصبح دولة عظمى تفرز للبشرية حضارة.

من هنا، ما كانت أدبيات حزب البعث (شأنه شأن أي فكر يدّعي التقدّمية) لتأتي الا وهي تحمل، ولعلها تتمحور، حول هذا المرتكز.

وقد انطلقت، حين أرادت أن تبني الدولة الحديثة، لتعبّر عن القيم القبلية والمعايير العشائرية والذهنية البدوية بـ “الرجعية” …

وهي حين تنادي بالتقدمية الاجتماعية، إنما تنظر هذا الجانب وتعالجه، إلى درجة بلغت منع تداول الألقاب وحظرت على الحزبي أن ينتسب إلى عشيرته! فكان الرفيق يذكر باسمه واسم أبيه، وإن صادف وجود آخر يحمل نفس الاسم، ويضاف اسم الجد أو كنية تميزه، فيقال أبونضال وأبوعدي وطه ياسين وعزت ابراهيم وعلي حسن، ولا يقال الدوري أو المجيد
أو التكريتي أو الموصلي أو السامرائي، أو الدليمي أو الجنابي… حتى تولى صدام السلطة.

حين وجد أن ما يتطلع إليه من نفوذ وسلطة مطلقة وحكم شمولي، لا يكون إلا بالتنكر لكل قيم المدنية والحضارة، والعودة بالمجتمع إلى البداوة بكل ما تعنيه من معان تدوس التمدن وتسحق شرعة حقوق الإنسان، وترجع لعهود الغارات وقطع الطرق والسلب والنهب، وسقوط قيم العلم والفضيلة والأخلاق والحب والسلام، وعودة الرق ووأد البنات والحمية الجاهلية..

وبذرائع لا تنتهي أخذ يلاحق الأشراف والعوائل والبيوتات المدنية، وصار البغدادي الذي استوطن أجداده من مئات السنين هذه المدينة يطالب بالانتساب إلى إحدى العشائر والقبائل، وإلا فهذا يعني أنه تركي الأصل أو فارسي أو كردي أو ..؟

وسرى ذلك لبقية المدن العراقية الموغلة في التمدن والتحضر، كالبصرة والنجف وكربلاء والموصل وغيرها.

وأصبح السؤال الذي يصطدم به عالم الدين أو الدكتور والمثقف وكل أكاديمي انحدر من أرقى البيوتات: “يا هو عمامك”؟ في الوقت الذي بلغ فيه الغرب قمم العلم والتقنية والرخاء الاقتصادي والأمن الغذائي والصحي، وحقق انجازات علمية وفنية وحضارية وما زالت البشرية في دهشة مستمرة وشكر متصل منها..

عاد صدام بالمواطن العراقي ليجلسه على قارعة طريق تخلو من المجاري الصحية، تجمعت فيها المياه الآسنة، فصنعت بحيرات تدوي فيها أسراب الذباب ويرتع البعوض، وهو يناقش صاحبه في أصول بني لام وأجداد الشريفات والصلة بين شمر والبومحمد؟! وعن الطبيب البيطري الذي أنقذ دابته من النفوق: من أي العرب هو؟ أم ترى المسكين مدنياً لا أصل له رغم أريحيته وجميل صفاته وعظیم دوره وفضله؟

لقد نبذها رسول الله صلى الله عليه وآله حين أراد أن يبني حضارة .. فجمع صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي، وثلة من العرب آلى عليهم أن يتناسوا قبيلتهم فوق حميّتهم الجاهلية، وشرط أن يهاجروا إليه، وحرم عليهم (التعرّب بعد الهجرة) ليبقيهم ويلزمهم بالحياة المدنية.

ولم تبن الحضارة الإسلامية بالفعل إلا حين تمدن العرب، وتخلوا عن بداوتهم وكل ما يلتصق بها من موانع الحياة المدنية.

ودخل الفرس والترك والديلم والمغول والبربر، فكان البيروني والرازي والطوسي وجابر بن حيان والفارابي وابن سينا والدميري والقزويني وابن البيطار والانطاكي..

وجيش خلق من الكتب لا من السيوف، ومن الأبحـاث لا من التفجيرات، ومن المختبرات والاكتشافات لا من المعتقلات والسجون، خلق حضارة ما زال الغرب يذعن بأنه مدين لها فيما بلغه اليوم من تطور ورقي.

لقد قطع صدام السير التقدمي للمدَنية والحضارة للعراق، وأتى على قواعد الدولة المدنية الحديثة، وعاد بها جاهلية الجهلاء.. ليس على صعيد البناء والعمران فحسب، بل الأهم أنه دمـر الإنسان العراقي حين اضطهده، وأزرى به وهـو ينتزعه من مَدنيته السبّاقة في العالم العربي، ويلقيه في دوامة: “يا هو عمامك” ؟

هذا أخطر ما فعله، ولا يناهزه إلا جريمته في جـر البلاد إلى العنف الطائفي ونجاحه في جر حلفائه من التيار التكفيري إلى نفس المنطق واللغة، وهذا ما سيأتيك في الحلقة التالية.

18/6/2005 صحيفة الوطن –