إنه المؤتمر الذي رعته الجامعة العربية وأطلق عليه عرابه عمرو موسى “مؤتمر الوفاق” الذي يجمع مختلف مكونات الشعب العراقي كمقدمة لمصالحة وطنية، عقد جلساته التحضيرية في القاهرة، وسينتقل عما قريب ليستكملها في بغداد. ما حقيقة هذا المؤتمر وما أهدافه؟…
إنها معركة ورهان سابق بين جبهتين:
الجبهة الأولى: دعاة التغيير، أو الوطنيون المتآلفون مع المنظومة الدولية ومفرداتها العصرية، وسمهم إن شئت المنتفعين من سقوط صدام ونظامه القمعي.
ورغم أنهم يشكلون الأغلبية الساحقة من العراقيين، وفيهم عشرات آلاف الكوادر والكفاءات التي تعلمت وتثقفت في أوروبا وغيرها من بلاد المهجر المتمدنة، كانت كفيلة بأن تقلب العراق جنة الله على أرضه في فترة قياسية…لكن طبيعة المعركة وأدواتها القذرة، حالت دون نجاح ساحق سريع لهذه الجبهة كان يرتقبه المتفائلون.
الجبهة الثانية: المخلدون إلى الوضع السابق، المتمسكون به، بل العاضون عليه بالنواجذ… تحالف البعثيين مع الإسلاميين التكفيريين، أو سمهم إن شئت صبية صدام مع زمرة الزرقاوي ولفيفه.
وهؤلاء وإن كان، حجمهم في العراق لا يتجاوز الـ 7 %، فإن قذارة ودموية أساليبهم إلى جانب الدعم القومي والعروبي، ثم الإسلامي ذي الجذور والتكفيرية نفسها أظهرهم قوة لا يستهان بها، وحجر عثرة لا يترك العراق يهنأ بخير.
وبعد المدد المالي والبشري المنحدر دون انقطاع، تأتي التغطية والإدارة الجبارة للمعركة الإعلامية، وما تقوم به فضائيات الجزيرة والعربية والمستقلة، إلى الدعم والغطاء السياسي الذي تقوم به وتؤمنه الأنظمة المجاورة، لا حباً في الزرقاوي وجبهته ولكن بغضاً للجبهة الأولى وحذراً من تداعيات نجاحها.
استطاع هذا الواقع أن يجعل من هذه الجبهة مشروعاً متنامياً متطوراً، مازال إلى القوة والشوكة، حتى قرب في بعض المواقع من فرض معادلته!
أما الرهان فعلى إمكان التغيير، والقدرة على إقامة دولة جديدة ونظام بديل.. وقد استخدمت كل جبهة كل ما في جعبتها من أسلحة، وكل ما أمكنها من أدوات كل بحسب فكره وما يسمح به دينه وأخلاقه وضميره.
لقد لجأت الجبهة الثانية إلى العنف بأقسى صوره وأفظع أشكاله، ووظفت الإرهاب بطاقته القصوى، دون أدنى حيّز من ضمير أو رحمة، فلم توفر الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ ولا العجزة، ناهيك بالشباب والرجال، فضلاً عن أفراد الجيش والشرطة من أبناء العراق الجديد.
وجّهت ضرباتها بشكل عشوائي، إنما ضمن استراتيجية محددة وواضحة، تقوم على محوري: تقويض مشروع الدولة الجديدة، ومنع إحلال نظام بديل عن البعث الصدامي، ثم خلق الفتنة الطائفية.
فنالت من البنى التحتية للبلاد من كهرباء وماء ونفط وطرق وجسور، ومن الرموز السياسية والكفاءات القيادية، فاغتالت المئات.
وراهنت على الفتنة الطائفية، فاستهدفت العتبات المقدسة والزوار، والمساجد والحسينيات ورجال الدين… والحق انها أوفت للشيطان وأبرت قسمه وبرّدت غليله، لم “تقصر” ولم تأل جهداً ولم تدخر وسعاً، وأدت ما عليها بأضعاف ما كان أكثر المجرمين يأمله ويتطلع إليه!
أما الجبهة الأولى، فقد تحركت برصانة واتزان، وحكمة وكياسة أذهلت العدو والصديق! ذلك رغم افتقارها للتنظيم والإمكانات، ولمركزية تقودها، اللهم إلا إذا اعتبرنا السيد السيستاني هو القائد الأعلى لهذه الجبهة، وهذا يفتقر إلى الكثير من الدقة. بل هو مجانب للصواب، إذ أن سماحته دام ظله ينأى عن أي دور عملي، ويكتفي بالإرشاد والنصح .. والدعاء.
صمدت هذه الجبهة باقتدار أمام الإستفزاز الطائفي فلم تنجر إلى الإنتقام، وتعالت على الجراح وتحركت بشكل حضاري وتبنت المواجهة عبر ترسيخ مشروع الدولة الجديدة وإنجاح العملية السياسة.
لم تستفزهم التفجيرات إلى ممارسة العنف والرد على المجرم بلغته، ولا صرفهم هول الأخطار عن خوض غمار المعركة حين كانت تحين موقعة من مواقعها، فكانت جبهة لينة مهادنة، ولعلها سلبية في بعض الأحيان وفقاً لبعض الرؤى والتقديرات، لكنها كانت حاسمة وشديدة في المعركة التي قررت هي أن تخوضها: فرفضت تأجيل الإستحقاقات السياسية، وأصرت على مواعيد الإنتخابات.
فانحل مجلس الحكم، وانتخبت جمعية وطنية مؤقتة، وشكلت حكومة، وعين رئيس جمهورية، وألغيت صفة الإحتلال، وأقر الدستور… ولا تفصلنا عن جمعية وطنية ومن ثم حكومة أصيلة إلا أيام، لا تلبث أن تكلل بجلاء القوات الأجنبية.
هذا ما أطار العقول من رؤوس أعدائهم فجن جنونهم..
ولكن ماذا عسى المفلس أن يفعل؟ خصوصاً أنهم حاولوا المنافسة في الميدان السياسي حين شاركوا في عملية التصويت لإسقاط الدستور، فظهر حجمهم الحقيقي الذي كشفته الأرقام والإحصائيات التي ترقب نسب المشاركة وجداول القيد، فثبت أنهم لا يتجاوزون في أحسن الأحوال الـ 7 ٪ فقط لا غير!
أمام هذه الهزيمة النكراء والإفلاس المعلن، وبينما القافلة تمضي لا يعيقها نباح أحد.. جاء تحرك الجامعة العربية! هذه المؤسسة التي صنعها الإستعمار البريطاني، وأبت أن تتبني إدانة عابرة لصدام وجرائمه، وكافحت دفاعا عنه حتى الرمق الأخير، وهو قابع في جحره يفكر في السباحة والحلاقة.. تأتي الآن لتنقذ ما يمكن إنقاذه، وتسرق من الشعب العراقي بالسياسة والخداع ما عجز الزرقاوي أن يحققه بالمتفجرات والدماء.
أخي القارئ الكريم…
لنبتهل إلى الله بإخلاص أن يفشل هذا المؤتمر – المؤامرة، لأننا في الكويت أكبر الخاسرين لو نجح!
إن الشعب العراقي غير مختلف حتى يتوافق تحت مظلة عمرو بن العاص… إن أحد شهداء جسر الأئمة سني من الأعظمية قضي غرقاً بعد أن أنقذ سبعة من الزوار الشيعة من الغرق في دجلة!
لا شأن لهؤلاء بالسنة ولا للسنة بهم، إنهم يريدون أن يرجعوا البعث ويعودوا به يريدون أن يوقفوا التغيير، أن يعطلوا كسر هذا الحاجز الصنم، إنهم يريدون إنقاذ الإرهابيين والبعثيين، وأن يجدوا لهم مخرجاً ليبقى العراق وبالاً على شعبه، وشوكة في خاصرة الكويت … إن التهديد العراقي للكويت لن يزول إلا بتغيير شامل كامل عام لا يبقي لبنة واحدة من النظام القديم، ولا يستثني شخصاً واحداً من قومييه وبعثييه ولا ضباطه وأزلامه ولا بمن تحالف معهم من الطائفيين التكفيريين.. (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
لقد قتل التكفيريون منذ سقوط صدام وحتى الشهر الماضي ثمانين ألف نفس محترمة، دمروا وعطلوا وأعاقـوا، وأيتموا الملايين أحرقوا قلوبهم، فرفعوا أيديهم الصغيرة ودعوا عليهم، فهم لا يملكون إلا هذا…
وها قد حانت ساعة التكفيريين، إنهم غداً سيحتضرون، بوجوه باسرة كالحة، تظن بأن يفعل بها داهية تقصم فقار ظهورهم، وقد بلغت التراقي، ولا راق يداويها فيشفيها، إلا زبانية تهوي عليهم بمقامع من حديد ونار، وقد أيقنوا أنه الفراق، والتفت الساق من شدة الهول بالساق، إلى ربك يؤمئذ المساق، فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى، ثم ذهب إلى أهله يمتطي ويتبختر إعجاباً بنفسه أن سيقدم على ربه وهو يخوض في بحور من دماء الأبرياء، وبين أشلاء وأعضاء مبتورة ورؤوس مقطوعة!
أيحسب حارث وعـدنـان ومشعان ومطلق ومن ورائهم الزرقاوي أنهم سيتركون سدى؟ أو أن عمراً سينقذهم؟ هيهات.
صحيفة القبس – ٢٩ / ١١ / ٢٠٠٥
