قبل ما يناهز عقدين من الزمان، أطلق الإمام الخميني نداء لعموم المسلمين طالبهم فيه بجعل الجمعة الأخيرة من كل شهر رمضان يوما للقدس وقضية فلسطين.
والإمام الخميني قدس الله سره كان مرجعاً ومفكراً وفيلسوفاً، كما كان قائداً سياسياً محنكا.. من هنا فإن مواقفه السياسية والخطوات التي كان يتحرك وفقها، كانت تخضع لقضية محورية وتنبع وحدة متكاملة، تترابط أجزاؤها وتتكامل لتعرض بمجمعها المشروع، وتحقق الهدف المنشود، وكنت ترى – بوضوح – أن كل خطوة تأخذ موقعا وتجد مكانها في هيكل كامل منسجم متناسق.
ومسألة الترابط بين الفكر وانسجامه أجزاء ومفاصل وخطوات العمل، أمر ينطلق من الإسلام ويستمد منه، الذي هو دين ومشروع سياسي واجتماعي متكامل.. فلا يمكنك إقامة الحدود كرجم الزاني أو جلده وقطع يد السارق وإعدام المرتد، دون أن تؤمن فرص العمل والكسب وتحقق العدالة والمساواة، وتوجد نظاماً للضمان أو التكافل الاجتماعي يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة للفرد، وهكذا تنشر العلم والثقافة والوعي، وتهيئ أسباب الزواج وتذلل الصعاب التي تعترضه.. فإذا فعلت وسرق سارق أو زان، فعندها ينظر في أمره.
لا أن تترك حيثيات المشروع الإسلامي وتهمل المعالم الأصلية والجوهرية للدين وقيمه، فيعم الظلم والفساد، ويستفحل الطغيان وتحكم الدكتاتورية، ويهتك الشرع في جوهره وحقيقته، ويزدرى الدين في أهم معالمه وأخطر أركانه، ولا يلتزم ويتمسك إلا بقشور وظواهر.. فإذا ضبط سارق اختطف رغيفاً يسد به رمقه، قطعت يده وسط تهليل وتكبير بإقامة شرع الله وحدوده!
الإمام الخميني فكر ثوري عميق، ومدرسة ومشروع سياسي متكامل، هيكل وبناء عظيم كان يريد أن يقلب الدنيا! من الظلم بمكان اقتطاع جانب من مشروعه وعرضه مبتوراً عن الأصل… هذا تشويه وخلط، وهو جفاء واستخفاف بمحتوى ذلك الخطاب، وتنزيل له إلى مستويات هابطة من التعاطي السياسي الرخيص.
حتى لا نكون من(الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) يجزّئون القضية ويبعّضون في العمل، أرجو الإخوة المؤمنين الذين أحيوا يوم القدس في الكويت أن يعيدوا النظر في موقفهم، وأنا أعرف في أكثرهم الإخلاص لقضيتهم والحرص على دينهم والحب والوفاء لمرجعهم السابق، وتنتابني الدهشة من انضمام بعض غير السياسيين إليهم.
إخواني الأعزاء، لقد خرجت القضية الفلسطينية ونداء إحياء يوم القدس من العنوان الذي انطلق منه الإمام الخميني في الثمانينات، ولم يعد الواقع الفكري ولا السياسي الحاكم اليوم يلتئم مع خلفيات ذلك النداء ولا معطياته.
لقد دخلت القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة ومختلفة تماماً عما كانت فيه وعليه، وأصبح يحكمها اليوم عناصر ثلاثة:
الأول: الخط العروبي، وتندرج تحته الأنظمة العربية التي كان الخميني يراها أنظمة جور لا بد من الثورة عليها وإسقاطها!
والثاني: التعاطي السياسي الذي يريد تأسيس دولة فلسطينية تحفظ كيان اسرائيل والدولة العبرية، والخميني كان يريد أن يجتث اسرائيل ويمحيها من الوجود!
والعنصر الثالث: التيار الديني الذي يهيمن عليه اليوم الطائفيون التكفيريون، الذين يبيحون دم وعرض ومال من يحمل شيئاً من العقيدة التي كان يحملها الخميني، المتعصب لمذهبه ومعتقداته.
إن تيار الزرقاوي الفلسطيني، هو الذي يحكم الوجدان الجهادي في قاعدته الشعبية العريضة وفي عناصره الميدانية الانتحارية، وإذا كانت المصلحة تقتضي والتكتيك السياسي يتطلب أن يخفي “المجاهدون” حقيقة انتمائهم وهويتهم، فإن هذا لا ينطلي على أي مراقب لا يغط في النوم، ليعرف هذه الحقيقة، ويرى بجلاء أن هـذا التيار هو الشقيق التوأم للقوميين العروبيين، وحليف استراتيجي للسياسة العربية في مشروع الدولة الفلسطينية الجارة لإسرائيل.
إن هذا الثلاثي الذي يكفّر العراقيين ويخوّنهم ويخرجهم من الأمة، ثم يسقط المشروعية عن ديموقراطيتهم كونها قامت تحت الإحتلال والخراب الاميركية، تراهم يجمعون ويجتمعون ليتفقوا ويتعاهدوا لإنجاح المشروع نفسه في فلسطين، ولا يذكرون شيئاً عن الإحتلال والحراب الإسرائيلية؟!
إن الأمر لا يتطلب كثير جهد وذكاء حتى يربط المرء بين انتفاضة الجامعة العربية وعرق الغيرة الذي ضرب فيهـا أخيراً على “العراق”، ورحلة عمرو موسى واقترانها بالتصويت على الدستور، ثم توقف العمليات الإرهابية فترة تواجده هناك، تحية وكرامة أو قراراً غاية في الخبث والدهاء يمكّن الرجل من القيام بمشروعه، وهو مشروعهم.
إن هذا الإصرار والاندفاع والتهالك على منع الاستقرار في العراق، واللهث حتى النفس والرمق الأخير لتقويض بناء الدولة العراقية الجديدة، يعني فيها التحليل السابق، ويؤكد أن العناصر الثلاثة تتفاعل فيما بينها، لتتآمر على كل شيء لا ينسجم معها و يتحرك خارج إطارها القومي والطائفي والسياسي.
هل يستحق هؤلاء أن تحشد الجموع لنصرتهم؟ هل يجوز أن تصرف الأموال على هذه القضية وإحتفالاتها؟ وإذا كان المسجد الأقصى يستحق، فهل يمكنك أن تفصل المسجد الأقصى عن هؤلاء وتعزله عنهم؟ إن هذه الأنشطة والاحتفالات غيمة في سماء التكفيريين والعروبيين، تظللهم وستمطر بأرضهم… وإليهم حصادها.
إن الإصرار على تكتيك سياسي ما، بهذا الشكل الذي يشعرك وكأنه شعيرة دينية وطقس إلهي لا يجوز تغييره واستبداله بآلية وتكتيك آخر.. لأمر في غايـة الغـرابـة، خصوصاً في أوساط تدعي المرونة والعصرنة، وتتحايل لتغير بعض الشعائر الدينية بحجج مراعاة الزمان والمكان ومواكبة المستجدات!
إن هذا الأداء “الثوري” يسيء إلى الثورة، ويدخل في التشويه والتحريف، ويمثل أسوأ أشكال الاستغلال والتوظيف السياسي الرخيص بل التجاري للدين وللقيم الثورية، إنه كمن يريد الصلاة بلا وضوء، أو كمن يسرق ليتصدق.
أما المأساة، فهي أن يعالج هذا الخلل الفكري والشرعي، وهذه الإشكالية التي يعيشها كل من يفكر بحرية واستقلالية ولا يتبع بإمّعية، فيرى كيف تساهم مغالطات ومساومات، ومزايدات وتمسك ظاهـري بشعارات لم يعد لها وجود حقيقي، في قتل الآلاف من الشعب العراقي، وتنذر بما سيدمر المؤمنين في لبنان، وغير لبنان.
لماذا ندفع الثمن لأمر وهمي لم يعد له وجـود؟ اللهم إلاّ في العناد والمكابرة لنظهر وكأننا ما زلنا ثواراً لم نتغير!
المضحك المبكي أن تعالج تلك الإشكالية بجرعة من الداء والمرض نفسه: بتصريح صحفي يطلقه أحدهم، يعيد فيه مقولة زوال إسرائيل ومسحها من الوجود (ولو كان صادقاً لفعل دون أن يقول)، أمر أشبه شيء بتاجر خسر تجارته وأفلس، فلجأ إلى صديق يعينه في ملاحقة البنوك ومطاردة الدائنين فنظم الصديق قصيدة مهلهلة وقدمها له! ماذا يفعل المفلس بالقصيدة؟ أرجو أن يتمكن المشاركون في إحياء يوم القدس أن يجيبوا عن هذا السؤال.
صحيفة القبس – ۲ / ۱۱ / 2005
