الإصلاح كلمة رنانة ومفهوم حضاري دخل في ذهنية جميع شعوب العالم الثالث، وبدأ العديد من النُخب والمثقّفين يعزف على وتيرتها، فأقيمت المحاضرات، وعُقدت الندوات، وأُلّفت الكتب في معانيها وطرقها ووسائلها، ودفع منظّرو الإصلاح في بعض البلاد وقتهم وجهدهم، بل حتى حريتهم ودماءهم وأرواهم على مذبح الإصلاحات.
وإزاء بروز النظام الدولي الجديد وتيار العولمة وثورة الاتصالات، مما جعل العالم أشبه بالقرية الصغيرة على جميع المستويات وكافة الأصعدة، فقبل أيام سمعنا عن صنع طائرة مدنية تحمل أكثر من ثمانمائة راكب! أي انها تنقل سكان قرية كاملة مع كل أمتعتهم من قريتهم إلى أبعد نقطة في العالم خلال ساعات.
وفي المقابل… خرجت علينا في الآونة الأخيرة أصوات عالية مقاومة للإصلاح، ولكنها لبست ثوبه، وفي حقيقة الأمر، لا تطرح إلا اسمه ولا تقبل حتى برسمه! ناهيك عن أدواته وخطواته.
فرددوا مقولة أننا نريد الإصلاح من الداخل ولا نقبل أن يأتينا من الخارج فمن ينادي بالإصلاح فهو عميل للخارج، وأن الإنسان الوطني يجب أن يدعو إلى الإصلاح الداخلي!
ولا يسعني إلا أن أقول أن الإصلاح هو الإصلاح..
ومنذ البدء يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا هل نريد الإصلاح أم لا؟
أما مقولة الداخل والخارج فهي خلط للحقائق وإلباس الحق ثوب الباطل، فبصراحة ووضوح ودون هروب من الواقع أو التفاف على الحقائق، نحن ماذا نملك من قدرة وإمكانات واستعدادات ومواهب وخبرات؟..
نحن لم يتبق لنا شيء سوى ديننا العزيز على المستوى العبادي فقط، ان صح التعبير، فالتخلف الحضاري والصناعي والسياسي والاقتصادي يحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم والطوق بالعنق، وإذا كنا نملك فتاتاً من ذلك، فإنه من أفضال الحضارة الغربية علينا، وكل منكر لهذه الحقيقة معاند لا حظ له من الحياد والموضوعية ونقد الذات.
والذي يطرح الحق الحصري للإصلاح من الداخل فهو إما ساذج أو مخادع، فالمشكلة لدينا جميعاً أن كل الأحزاب والتيارات والتكتلات الإسلامية والشيوعية والقومية والوطنية وغيرها تدّعي استحواذها على الحقيقة المطلقة، فكل منها يدعى امتلاك الحقيقة ويرفض الآخر، فلا يوجد إلا مشروعه.. وكل المشاريع الأخرى على باطل وضلال، فبالله عليكم من أين يأتي الإصلاح؟ ومن أين يبدأ في ظل هذه العقليات المتحجرة؟
أما المخادعون – وما أكثرهم – فإنهم يخشون الإصلاح ولا يقبلونه إلا على طريقتهم فيؤكدون على الوحدة الوطنية ويحملون المعول لهدمها، وينادون بتكافؤ الفرص ويمارسون الواسطة والمحسوبية، ويدعون إلى نبذ الطائفية لكنهم منغمسون فيها إلى أبعد الحدود، ويطالبون بالديموقراطية والتعددية وهم على الدكتاتورية يتوكلون، ويعقدون أطول المؤتمرات في أضخم الفنادق لنبذ التطرف، وهم النواة الأولى للإرهاب وحماة للأفكار الإرهابية، يتباكون على إطلاق الحريات العقائدية والتسامح بين المذاهب، ويتلذذون بتكفير إخوانهم في الدين والعقيدة والمواطنة، يأمرون بالعدل والميزان، ويحكمون بالظلم والعدوان.
هذا هو حال البعض في عالمنا العربي والإسلامي، فالرغبة الحقيقية للشعوب التي تنشد الإصلاح هي الحرية والاستقلال، وبالقدر نفسه الذي أخاف فيه من التدخل الخارجي، فإنني ـ في الوقت ذاته ـ أتألم من الاستبداد والاحتكار والقمع المذهبي لأبناء الوطن الواحد، وأطلق صافرة الإنذار إلى كل المسؤولين الذين يسوقون الناس بالقوة نحو اختيار أحد الطريقين “الحرية أو الإستقلال” فإن ذلك يدفع البعض ممن لا يمتلك التجربة ويفتقد الصبر، إلى التفريط باستقلال بلادهم مقابل الديموقراطية والحرية التي تهديها لهم أمريكا.
وإن حدث ذلك في دولة عربية أو إسلامية، لا سمح الله، فإن هؤلاء المسؤولين سيكونون المذنبين الأساسيين والجناة الحقيقيين في هذه الفاجعة الوطنية.
والقلق الشديد ينتابني من أن يعمد التيار الرافض للإصلاحات إلى إيصال بلادهم إلى نقطة ووضع لا ينفع معه الإصلاح، من خلال الإستمرار باتباع السياسات التكفيرية والأساليب القمعية.
أما عن حظنا نحن من الإصلاحات في الكويت، فإن أفضل من يقودها هي الأسرة الحاكمة التي يلتف حولها الجميع من خلال إصلاح حقيقي، ومنهج شفاف يتناول كل الأصعدة السياسية والإقتصادية والقضائية والإجتماعية لتوسيع مساحة الحرية وإقامة المساواة وإشاعة الديموقراطية وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص.
صحيفة القبس – ٢٤ / ٧ / ٢٠٠٥
