كنت أعاني وأنا أقارن بين ما أقرأ في الدين والتاريخ والسير، وبين الكتابات المعاصرة والمدارس والمذاهب والأدبيات التي تنعكس في مناهج تعليمية ودراسات علمية، ومؤلفات وروايات، وحتى مسلسلات تلفزيونية…
أعاني من فهم وهضم قضية تكاد تكون ظاهرة تاريخية، هي الدفاع عن الظلمة، وتلميع شخصيات موغلة في التعدي والإجرام. رغم أن جانباً مغيباً من التاريخ نفسه يذكر مثالب هؤلاء، والطعون التي تكشف حقائقهم، لكن هناك دائما من يريد ان يتعامى ويتصامم، ثم يبكم عن هذه الحقائق.
وإن عشت أراك الدهر عجبا..
ما كنت أحسب أن ينبري أحد ويقبل الدفاع عن صدام، وكنت أظن أن المحكمة ستضطر لانتداب من يسقط التكليف، ويؤمّن الشكل القانوني للمحاكمة فحسب.. بل إني في بدايات الأمر ما كنت أحسب أن صداماً سيُحاكَم، وكنت جازماً أنه سيعدم ميدانياً، ثم يسحل على “الطريقة العراقية”، وتقوم بعـدهـا “الهوشات” على وقع “الهوسات”، بين الناس على توزيع أشلائه، ومَن مِن الجماهير سيحظى بشرف إحراق الجزء الأكبر من جثة ذلك “المسخ”.
فإذا بـ “إسلاميين ” يجاهدون ويضحّون بل وينتحرون ليعيدوا نظامه وحكمه! وإذا بمتظاهرين يستميتون ليرفعوا صوره في تكريت، وبمحامين عراقيين وعرب يتطوعون للترافع دفاعاً عنه، ولجان دفاع عن حقوق الإنسان تشكل لتتابع حالته، و”الخدوش” التي تنال من شأنه، ومن تمّيزه في معتقله… وإذا بندوات وبرامج تلفزيونية وإذاعية تلاحق ما يمس حقوقه وعدالة محاكمته!.
مع بدء محاكمة الطاغية، ترى بأن الأجواء في الإعلام العربي يعمها الحديث عن قسوة حكم الإعدام، وضرورة إلغائه، وعن مفاهيم العدالة والشرعية وعن أغيب الغائبات والمغيبات في عالمنا العربي: حقوق الإنسان!!.
أما الأعجب والأغرب، فهو ان الذين كانوا يأخذون على الشعب العراقي، ويعيبون على المعارضة العراقية السابقة تعاونها، أو ترحيبها بالتدخل الغربي لإنقاذ بلادهم من صدام، ويصنفون الاحتماء بالأجنبي واللجوء إليه عمالة وخيانة، أصبحوا يطالبون بنقل المحاكمة إلى دولة غربية وقضاة أجانب!… ألا قاتلكم الله.
إبادات جماعية، وتطهير عرقي وطائفي، وقمع وحشي لم يوفر المدافع والدبابات في مواجهة المتظاهرين، ولا الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، معتقلات لا تعرف الشمس، وتعذيب أهونه الإذابة بالأحماض الكيماوية، فيغمى على المعذب عشرات المرات، وهو يرى لحم يده يتناثر عن عظام كفه وأصابعه.
اغتيالات وإعدامات صورية وميدانية، تهجير وتشريد وضياع الهوية الوطنية، وأرقام تتجاوز ثلاثة ملايين قتيل، يوازيهم ما لم يحص من الأرامل والأيتام والثكلى، ومئات المليارات التي أهدرت وأتلفت وضاعت، كان يمكنها أن تقضي على البطالة والفقر والمشاكل السكانية والصحية والتعليمية، وتجعل العالم العربي كله في رفاه الخليج، ومستوى سكانه المعيشي.
إنهم يمحون كل هذه الجرائم، والفجائع بالخرقة التي يجفّفون بها عرقهم، أو يمسحون عوراتهم، ويرددون مبررين مكابرين، ولعلهـم هازئين ساخرين (وبالتالي مشاركين، فمن رضي من عمل قوم أشرك فيه): “طبيعي، إنهم سياسيون وثوار نازعوه ملكه، فكان لا بد له أن يواجه من يعارضه ويتهدده، ويحافظ على استقرار نظامه وبلاده”… ولعمري، كم فعل وحافظ !
هكذا، بهذه البساطة والوقاحة يمزقون صفحات وسجلات تختزن آهات وصرخات تصك سمع الملكوت.
فإن حاججتهم بلغتهم وبأن “المسخ” خان القضية العربية وأضاعها، بل قتلها، عندما حوّل مسارها من تحرير فلسطين إلى البوابة الشرقية أولاً، ثم غزو الكويت الذي كان بوابة للتدخل الأمريكي، ومن ثم الوجود الأميركي الدائم في المنطقة. ثم القضاء النهائي على المشروع والفكر القومي…
أجابوك إجابة تجعلك تتلو الآية القرآنية الكريمة: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
المسألة في جانب منها مصالح وأموال تغدق، هذا ما لا يمكن إنكاره، ولكنها نصف الحقيقة… ونصفها الآخر أنهم يحبونه! لقد شربوا من المنبع نفسه، فتمكن من قلوبهم، وهيمن على نفوسهم، فما عادوا يبالون ان يتظاهروا أمام الأميركان، ويقفوا في وجه عشرات ملايين العراقيين من ذوي الضحايا، بل هـم على استعداد للموت في عملية انتحارية تنتقم ممن أيـد ذلك، وفي هذا يقول علماء النفس والأخلاق، ويقول الحكماء: إبحث عن السنخية. إنهم من جنس واحد، ولو حكم أي من هؤلاء وتسلط على أية بلاد، لفعل فعل صدام وتبعه القذة بالقذة، حتى لو دخل حجر ضب لدخله!
لماذا يحاكم شخص مثل صدام؟ لماذا لم يعدم ويقتص منه حتى الآن؟
أليس لكل قاعدة استثناء، وسبب يخرجك عن الأصل…
المهنية التي تلزم بالوضع الحقوقي والقانوني غير متحققة، ولا محل لها هنا. فالجريمة مشهودة ومستمرة، ومن حق الضحية الدفاع عن نفسه، ودفْعُ ضرر مفسدة عظمى ظَهَرت بعض بوادرها بتلميحات عمرو موسى، وكشفه عن رغبته وفهمه، لآلية المصالحة الوطنية بين “جميع” العراقيين، آلية تقوم على صيغة توافقية تعيد حزب البعث بوجوه جديدة، وتطلق “المسخ” وتفك أغلاله، وتنفيه من الباب ليرجع ويعود من النافذة.
الإنسانية التي يطالبون بقيمها ومستلزماتها منتفية هنا، فالمتهم ليس بشراً إنساناً وفقاً لجميع المعايير. وليس حيواناً، حتى تنهض منظمات الرفق بالحيوان، وتدافع عنه، فقد كرم الله الحيوان عن مثل هذا الوجود الدنيء.
إنه “مسخ” مثله مثل من سبقه من الحثالات التي تسلطت على رقاب الناس، امتزجت مياه الرجال في أرحام النساء، واختلطت تحت رايات حمر، لتنعقد نطفهم، وتخرجهم إلى الوجود، ليؤدوا دور أبيهم الأصلي: الشيطان الرجيم.
حتى الله عز وجل، رب العدالة وخالق الرحمة الذي بث الإنسانية، وبعثها في النفوس، وأمر بالعدل والقضاء وشرّعه، قال عز من قائل في أمثال صدام: (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) … بل: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ).
ماذا يفعل الخصاونة والتكفيريون والاسكتلندي غلاوي، وماذا تفعل الجزيرة والجامعة العربية وعمرو موسى؟.. انهم يدافعون عن الشيطان!
صحيفة القبس – ٢٦ / ١٠ / ٢٠٠٥
