من المظاهر المقززة التي تبعث الحيرة والعجب ومن بعدهما الغضب والسخط في عالمنا العربي، اقتران صورة رئيس البلاد بالانتصارات الرياضية، أو بملاعب الكرة ومدرجات المشاهدين والمشجعين.
وهي ظاهرة لا توجد إلا في عالمنا العربي المتخلّف، فناهيك عن الغرب المتمدن الديموقراطي الحر، فأنا لم ألاحظها في بقية بلاد العالم الثالث، ففي بلاد أفريقيا مثلاً لا ترى الجمهور يرفع صورة رئيسه إذا سجل فريقه هدفاً، ولا تجد اللاعب الذي يسجل الهدف يركض باتجاه المنصة ليـمـطـرهـا بقبلاته من بعيد أو ليقف إزاءها بوضعية الإستعداد ويؤدي التحية العسكرية.
لا ترى هذا حتى في الصين أو الإتحاد السوفيتي السابق.. لا تراه إلا عندنا.
فالرياضي الذي يسجل هدفاً ويحقق نصراً تراه في البلاد المتحضرة يحيي جمهوره أو زملاءه أو مدربه، أو يقبل شعار فريقه أو يتشح بعلم بلاده، ولا تراه يتوجه لرئيس النادي ولا لرئيس الجمهورية ولا لضيف الشرف. وهكذا الجمهور الرياضي هناك، تراه يشجع فريقه أو لاعبه المفضل، ويرفع شعار، ناديه أو لون فانيلة الفريق أو علم بلاده..
لا صورة رئيس الجمهورية!
وأنا أدرك أن هذه الظاهرة في بعض البلاد، ومنها الكويت، ليست سياسية حكومية بقدر ما هي حالة نفاق اجتماعي أو تخلف جماهيري! ولكن هذا لا يسقط مسؤولية الأنظمة والحكومات الديموقراطية، التي وإن لم تكره الناس على هذه التصرفات والمظاهر الممجوجة، فإنها هي التي زرعت ورعت هذا الغرس حتى نما وأثمر، فخرجت هذه المظاهر بشكل تلقائي لم يخضع لتوجيه مباشر.
بالأمس، سجل العراقيون فتحا في الساحة العربية الرياضية، فتحاً ينذر بخرق وفتق لا يرتق، إذا ما اقتدت بهم بقية الجماهير، وقررت أن لا تستجيب لرجال الأمن والإعلام (ولا فرق كبيراً!)، فلم يرفعوا صور الرئيس بالضرورة.
لقد امتنعت الجماهير العراقية المتواجدة في قطر للمشاركة بطولة غرب آسيا وأغلبهم جاء من الإمارات ليشجع فريق بلاده، عن رفع صور رئيسهم الزعيم الكردي جلال الطالباني، فأعفت نفسها – للمرة الأولى- في تاريخ هذا الجمهور، من رفع صورة رئيس الجمهورية، وتخلت عن عادة التزمتها في المدرجات لثلاثين عاماً متواصلة، وهي ترفع صوراً مختلفة: واحدة باللباس العسكري وأخرى بالعربي وثالثة بالبدلة ورابعة بالجراوية والدقلة وخامسة وسادسة، وفاتها أن ترفع صورة عاشرة لرئيس الحفر والجحور(نشرتها التايم بالسروال)!
قد يكون المظهر بسيطاً والحدث عابراً، ولكنه شأن عظيم أن يشعر المواطن بحريته وعزته، فيرفع علم بلده لا صورة رئيس قتل نصف شعبه وحبس النصف الآخر، وأن يصفق ويشجع فريق بلده لا فريق رئيسه أو ابن رئيسه عدي….
وكم هو رائع أن يشعر الرياضي بالفرق بينه وبين الحصان الذي يملكه إسطبل الرئيس ويراهن عليه في مضمار السباق!
فلا يصب جهده وتعبه وعرقه لصالح مجرم بطر، فيركض حتى يتدلى لسانه على صدره، ويصاب بارتجاج في المخ وتنكسر عظامه من عنف الملاعب، ويشبع سباً من الجمهور.. حتى يفاخر ذلك المجرم البطر المترف، وهو قابع في المنصة الرئيسية، أقرانه من الرؤساء والزعماء والمسؤولين ويبتسم بزهو أنه هزمه وغلبهم!
وكم هو جميل أن صار – أخيراً ـ شعب عربي يقرن بشعوب البلاد المتقدمة والدول المتحضرة؟!
ولم يكن هذا المظهر نتاجاً عفوياً وإفرازاً ساذجا…
إن في العراق اليوم حرية حقيقية، حرية سياسية، وحرية إعلامية مطلقة، حرية تجعل القيمة للإنسان وللشعب، وللبلد، وتجعل الحاكم مجرد موظف وعامل يخدم الشعب، فإذا أحسن وأجاد وأخلص، أحبه الشعب وأعجب به وشكره، دون أن يحوله رمزاً، لا يلبث أن تنحت له التماثيل وتصور الجداريات.
في العراق اليوم عشرات القنوات الفضائية والصحف والمجلات، أخذها أصحابها وانتزعوها بلا محاباة ولا منّة، في معاملة إدارية تنظيمية بحتة، لا محل فيها للقرار السياسي أو “السيادي” (ولا السادي! ).
الشعب العراقي اليوم سيد نفسه، ينتخب ممثليه، فيختارون له الحكومة والوزراء ورئيس الجمهورية، فإذا لم يعجبوه أعاد الاختيار وأبدلهم بغيرهم!
الإنسان العراقي اليوم يعبر عن رأيه بمنتهى الحرية، لا يمنعه مانع ولا يردعه رادع، إلاّ من خلق أو دين أو مهنية، فإن لم تكن، كما هي الحال في “الحيوان والوحش العراقي” أي في أنصار الإرهاب من التكفيريين والبعثيين، ترى أن النظام هناك من المدنية والإنسانية، بحيث يحفظ حتى لهذا الحيوان الضاري حقه، ولا يحرمه الحرية فينبح وبعوي ليلاً ونهاراً، والحكومة لا شأن لها به!
حتى الفئة الإرهابية، في العراق اليوم، حرة في التعبير عن رأيها، وهناك فضائيات عراقية وصحف ومجلات تتبنى الإرهاب والقتل، تنشر وتبث من داخل العراق، ولم يسألها أحد ثلث الثلاثة كم؟
الآشوريون والكلدان وفئات لا يبلغ حجمها 1 % من مجموع السكان، لهم وسائل إعلام تعبر عن عقائدهم وأفكارهم، وتعكس همومهم وآلامهم، ويستطيعون أن يردوا فيها على من يفتري عليهم ويكذب، ولديهم الفرصة في الدفاع عن أنفسهم لدحض الافتراءات والتضليل الإعلامي الذي قد تمارسه فئات ووسائل إعلام أخرى ضدهم.
في العراق اليوم لا استئثار في السلطة الرابعة وامتيازات الصحف والمنابر الإعلامية.
في العراق لا تحتكر عوائل ومذاهب وأحزاب حق التعبير، فتقرر من يكتب، وفي أية حدود؟ ومتى يسكت، فيمتنع أو يمنع؟ ولا يحدد أحد للناس ما يجوز لهم أن يقرأوا وما لا يجوز.
لأنهم في العراق لا يعتبرون الشعب سفيهاّ أو قاصراّ يحتاج إلى ولاية، ولا يعدّون البلد “وقفاً شرعياً” لفئة فيحتاج ناظراً، ولا شركة تجارية أو استثمارية يملكها رئيس مجلس الإدارة، ويتصرف فيها العضو المنتدب!
في العراق اليـوم يتكلم كل حزب وكل طائفة وكل مذهب وكل تيار وكل إنسان “وكل حيوان” ! ويمارس نشاطه الإعلامي بمنتهى الحرية، لا تمنعه أقلية ولا تضطهده أكثرية لا تحظر عليه سياسة ولا تحجر عليه أهواء ونوازع فئوية، لا يعوقه انتماء طبقي أو توجه ثقافي أو فكر عقائدي أو ديني أو مذهبي، ولا يثنيه تمييز يخضع لتلك المعطيات.
في العراق اليوم لا توجد وزارة إعلام، ولا توجد إذاعة ولا تلفزيون رسمي..
لكل هذا وذاك، لم يرفع الجمهور العراقي صورة الطالباني عندما هزم الفريق السوري وتقلد الميدالية الذهبية.
هكذا خرج العراق على الإجماع العربي!
صحيفة القبس – 16/12/2005
