ليس بدعاً أن تشكل حركة سياسية نضالية جناحاً عسكرياً وتباشر عبره عمليات أمنية توجه من خلالها ضربات لأعدائها… فقد مارست، وتمارس حركات ثورية معروفة منها، الألوية الحمراء والباسك، والجيش الجمهوري الإيرلندي وغيرها، هذا النمط من النضال العنيف.
ولكنها كانت دائماً ملتزمة بأصل لم تسمح، لا أدبياتها وفكرها، ولا أخلاقياتها وسلوكها، ولا أهدافها وأطروحها السياسية، لم تسمح بتجاوزه والتخلي عنه …
وهو أن تنال عملياتها العنيفة من مدنيين، ناهيك أن تستهدفهم وتتقصد توجيه الضربات إليهم مباشرة.
يكابدون في انتقاء الأهداف، حتى تذهب عليهم الفرصة تلو الأخرى، ويعانون في تنفيذ العمليات، فيبذلون جهد العشرة في عملية واحدة. كل ذلك حذرا أن يصيبوا بريئا. فإذا أمنوا هذا الخطير واحتاطوا غاية الحيطة والحذر، زرعوا عبوتهم المتفجرة، ثم اتصلوا بالشرطة أو الصحافة قبل فترة مدروسة لإخلاء الناس (من دون أن تسمح بتفكيك العبوة ومنع الإنفجار) فيتحقق ما يريدون، سواء بتدمير الهدف والمكان الذي قصدوه أو الصدى الإعلامي الذي يصاحب دوي الإنفجار.
والتكفيريون يزرعون متفجراتهم كأنهم يبذرون الشعير في حقل ورثوه عن آبائهم أو كما انهم يلقون النثار على عروس في قرية من قرى الزرقا أو اللد أو الرملة.. بمنتهى الصفاقة والقسوة وفي غاية القذارة والخسة، لا يراعون للإنسان قيمة ولا للدماء حرمة ولا للدين الذي ينتسبون إليه كرامة، ولا يبذلون أدنى جهد يحول دون ما يخدشه بهذا الأداء الدموي ؟!
فيما عدا يهود هذه الأمة، لا يوجد دين سماوي ولا أرضي ازدري الإنسان واحتقر الآخر كما فعل ويفعل هذا التيار التكفيري، وهكذا لم تشهد البشرية عنفاً قذراً من هذا النوع الذي تمارسه القاعدة والجماعات الإسلامية التكفيرية على مدى تاريخها الماضي والحاضر.
يلغّم أحدهم سيارته بما شـاء الشيطان من المتفجرات، ويقحم جموع الناس في سوق شعبية لبيع الخضار في “الحلة” فيقع الإنفجار ويحصد المئات… ثم يقيم أهل القاتل سرادق يتلقون فيه التهاني على رحيل ابنهم إلى الجنة!
فإذا سألت عن القتلى وعن آلاف الضحايا من ورائهم، عن الأطفال الذي تيتموا، والأمهات الثكلى بأبنائهن والمرملات بأزواجهن، والآباء المصابين بأبنائهم، والإخوة المفجوعين بإخوانهم، والأهل والصحب والرفاق وملايين المصالح المتشابكة التي احترقت في الانفجار… جاءك الجواب إلى جهنم، فهم روافض لا حرمة لدمائهم!
ويتسلل الآخر إلى أنفاق القطار في لندن، وينفذ وسط الناس، يتستر بزيهم ويتنكر ويتخفى، ثم يدس متفجراته ويزرعها لتقتل الأبرياء ويحصد العشرات من المدنيين، فإذا سألت عن هؤلاء جاءك الجواب: إلى جهنم إنهم نصارى لا حرمة لهم ولا قيمة!
وهو بعد لاجئ آوته تلك البلاد من ظلم حكومته وصرفت له راتبا شهرياً يقتات وينفق منه على عياله من الضرائب التي دفعها القتلى!
إنه آداء لا تجده حتى في المافيا، وعصابات المخدرات في كولومبيا وبوليفيا؟!
هذا هو عطاء الفكر التكفيري الذي زرعه أسلاف هؤلاء الطلائع الأوائل الذين أبادوا قرى كاملة من المسلمين الموالين للعثمانيين لأنهم نطقوا الشهادة الثانية بصيغة: “أشهد أن محمداً رسول الله”، ولم يقولوا “عبده ورسوله”، فعدّوهم على الغلاة والقبوريين فأتوا على آخرهم بالسيف، وهم يهتفون: “هبت هبوب الجنة وينك يا باغيها”!
العجيب هو الإحتضان الإعلامي العربي لهذا الفكر، ودعمه الخفي والمعلن لهذه المدرسة الشاذة، سواء على مستوى الشارع والمواطن البسيط الذي اختلطت عليه المفاهيم والتبست،
أو على مستوى الإعلام الذي تمثله القنوات الفضائية كالجزيرة وقناة “المستقلة” الفضائية التي تبث من لندن، والتي اشتراها الوهابيون، فأسست للطرح التكفيري وتكفّلت التغطية الإعلامية لإباحة دماء الشيعة.
والأعجب هنا، أنه إذا لم تكن “الجزيرة” في متناول بريطانيا فتحاسبها على دعم الإرهابيين وتوفير الغطاء الإعلامي الذي يريدونه، فإن فضائية “المستقلة” تبث من قلب لندن وهي تغذي وتدعم جذور هذا الفكر وأغصانه وفروعه بأساليب علنية وعبر برامج تشكل دعايات مدفوعة الثمن، تزرع الحقد وتبث التكفير وتأجج الأحقاد وتحرض على الآخر الذي لا يعتنق مذهب التكفيريين.
إن مواجهة هذا النوع من الإرهاب لا تكون بالقمع البوليسي أو الطرق القانونية فحسب، بل الأمر يتطلب البحث المعمق على الصعيـد الفكري والفقهي الشرعي والعقائدي الديني، وتنظيم حملة إعلامية وثقافية شاملة في المساجد والفضائيات والمطبوعات، حتى يظهر لأرباب هذا التيار التكفيري، ومن بعدهم لعموم المسلمين، كم هو فاسد وباطل ما يعتنقون وكم هو جرم
وإثم ما يفعلون.
صحيفة السياسة – ١٤ / ١٢ / ٢٠٠٥
