لست صوفيا ولكن

منذ أن تولى الدكتور عبدالله المعتوق حقيبة الأوقاف، وهناك حملة منظمة من التيار الإسلامي المطبق على الوزارة تستهدف الوزير شخصياً.

وهي حركة تعبوية معروفة، تلجأ إليها الأحزاب والمنظمات، سواء السياسية أو الدينية، تشخّص وتعيّن هدفاً وتتخذه مرمى، فتشحن الأجواء وتؤلّبها ضده، وتكيل التهم والافتراءات، وتلاحق الزلات وتكبر الصغائر وتصنع منها مصائب وتصوّرها عظائم.. والهدف هو الضغط النفسي الذي يربك الوزير عن أية خطوة إصلاحية في وزارته فيبقى منشغلاً في الرد على هذه الفرية، وإطفاء تلك الفتنة، ومعالجة هذه المشكلة المفتعلة، وإقناع الرأي العام بأن الأمر ليس كما يصوّره هذا التيار الذي يتلاعب بكم! وقد اشتدت الحملة واستعرت كونها اقترنت بتعيين الدكتور محمد عبدالغفار الشريف أميناً عاماً للأمانة العامة للأوقاف.

الوزير والأمين العام يهدفان في استراتيجيتهما إعادة السمة الكويتية الأصيلة للمرجعية الدينية الرسمية للبلاد، وهي مرجعية سرقها التيار التكفيري بتسلله وتوغله، ثم تمكنه وهيمنته، ثم إطباقه التام على المؤسسات الدينية الرسمية، مما أخرج الكويت كنظام وحكومة من وضعها التقليدي الذي نشأت عليه وعرفت به محلياً وعالمياً.

ولا أقصد من هذا ولا أريد نبذ التيار السلفي والقضاء عليه، كلا فأنا مع التعددية ومع حق الجميع في تعبد ربهم بما اقتنعوا به، ولكني لا أريد لهذا المذهب أن يمثل بلدي ويكون المرجعية الدينية لحكومتي،

أريد المرجعية الدينية للكويت أن تكون متسامحة تحنو على جميع المذاهب، وتحترم جميع الإجتهادات، لا تحارب وتكفّر وتقصي وتدمّر..

المعتوق والشريف يريدان أن يُرجعا الوضع إلى حالته الطبيعية الصحية المفترضة والتي كانت قائمة قبل أن يتسلّم السلف الوزارة.

يريدان أن يكون الوضع مثلما هو في بقية البلاد العربية والإسلامية، هناك تيارات إسلامية وتوجهات دينية مختلفة ومتعارضة ومتضادة، تعود لمذاهب أو أحزاب وما إلى ذلك، وكل بلاد وفقاً للهامش الذي تسمح به…

ولكن من يمثل الدولة دينياً، ومن يعكس رأي السلطة والنظام تجاه القضايا الإسلامية، تراه مستقلاً غير تابع لمذهب معين، وليس خاضعاً لتيار حزبي معين!

ثم أن الإمكانيات الهائلة التي توفرها الوزارة، لماذا تكون حكراً على تيار واحد؟ لمادة يهاجم الوزير ويشهّر به ويهان، لمجرد أن الوزارة في عهده وجهت دعوة لرجل دين من غير المذهب السلفي؟

بينما الحق أن يسأل الوزير السابق عن عدم دعوة أمثال هؤلاء العلماء؟!

لست صوفياً، ولكن هل يصح هذا الهجوم القاسي على وزير الأوقاف لأن الوزارة استضافت الشيخ الجفري؟

هل يليق بالمخالف أن يقذف المسلم الآخر بالشرك وعبادة القبور لمجرد اختلاف الرأي والإجتهاد؟

بأي حق يهان ويكفر الشيخ الجفري الذي يقطر سماحة ويفيض اعتدالاً ووسطية؟ ووجوده ثروة عظمى على مستوى العالم الإسلامي، بما يمثله من آلية علمية وشرعية وروحية لمحاربة الإرهاب وثني الشباب عن التطرف، وهديهم والاخذ بأيديهم وإنقاذهم من الهاوية التي ألقاهم فيها بن لادن والملا عمر والزرقاوي وإضرابهم الأكثر من أن تحويهم مقالة؟

أيها الاخوة الكرام، الإسلام أكبر من أن يحصر في طريق ضيقة حرجة، ويدس في جيب رئيس الحزب وقائد الجماعة، يخرجه ويوظّفه ويلعب به ورقة على طاولة مصالحه الشخصية ومناوراته السياسية، أو فهمه المحدود واجتهاده الذي يقابله مئات الاجتهادات الأجود والأفضل.

الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق..

أنتم أحرار في تفسير القرآن وفهم السنة، وفي تصحيح ما ترونه صحيحاً من الأحاديث، فاتركوا لغيركم أن يتعبد ربـه بما يفهمه من القرآن والسنة أيضاً، ويصحح أحاديث ترونها غير صحيحة ويسقط أحاديث ترونها صحيحة، هذا هو الاجتهاد، وهذه هي الحرية..

ما دام المرء يستند إلى آية ورواية واجتهاد فقهي ومرتكز شرعي، فلا يحق لأحد أن يكفره ويرميه بالشرك، غاية ما هناك أن تقولوا: هذا غير صحيح وفقاً لمذاهبنا، فيرد عليك: لكنه صحيح وفقاً لمذاهب ومدارس أخرى.

بالله عليكم هل هناك مسلم يعبد قبراً؟

صحيح أنهم يتبركون بالقبور ويتخذونها وسيلة، ولكن ليس من دون الله.. ولا ضير ولا غضاضة، فهي قبور لأولياء الله، فتوقر وتعظم لذلك. لاحظ الإضافة فهي التي تبيح وتحبب، مثلما يصبح البيت الذي هو من حجر، مقدساً ومعظماً ومحجاً للمسلمين، حين يضاف إلى لفظ الجلالة فتقول بيت “الله”، والله جل جلاله لا يسكن البيوت ولا تظلله السقوف ولا يحويه مكان ولا زمان.

وهكذا ينقلب الورق والجلد إلى حرز وبركة حين تنقش عليه آيات القرآن ويغلف بالجلد أو الكرتون ليكون مصحفاً ..

كذلك القفص الحديدي أو الفضي أو الذهبي… لا قيمة له إلا لأنه على قبر رسول الله أو قبر ولي الله، فمن يتمسح بهذا الضريح لا يعبده من دون الله، بل يتخذه وسيلة، وغاية ما يمكن أن يوجه إليه من اعتراض أن هذا النسك لم تثبت شرعيته، فيرد: بل ثبتت شرعيته عندي، وهذه هي أدلتي وحججي وطرقي إلى الشارع المقدّس، وهي تأبى قبول مزاعمك … أنت حر وهو حر، وتنتهي المشكلة.

إنها أمور واضحة تكاد تكون بديهية..

ولولا الأفق العقائدي الذي لا يطيق للغير مجرد العيش والحياة “ناهيك بحقوق الإنسان”! والخلفية التنظيمية التي تمتد من الفلبين وماليزيا، إلى أفغانستان والعراق لتصل إلى الغرب وأقصاه في نيويورك، وترى أنها مهددة في مناصبها وإمكانياتها في وزارة الأوقاف الكويتية.. لما أمكن للمرء أن يفهم سر التشنج والحالة الهستيرية التي يواجه بها الشيخ الجفري لمجرد أنه لا يرى بأساً في زيارة القبور؟

صحيفة الوطن – ١١ / ٧ / ٢٠٠٥