هل تغير العراق… ؟

في الثمانينات إبان الحرب العراقية الإيرانية، كنت ممن ينشد مع الشباب المؤمن المناصر للثورة الإسلامية والإمام الخميني: “الحرب قائمة، يا ويل من فعلوا، لن توقف الحرب حتى يسقط الجمل” … توقفت الحرب ولم يسقط الجمل، وظل صدام في ملكه وعلى جبروته وطغيانه.

وكنا نلجأ إلى التحليل الديني، وفي مخزون التراث الشيعي الذي ينعكس في خطابه وأدبياته، وفي وجدانه المثقل بتاريخ طويل عمدته ضروب الظلم والقهر والتنكيل والإضطهاد، مـا تـرسخ كثقافة وطبيعة تحكم هذه الطائفة، في هذا المجموع سعة ومساحة كبيرة لمعالجة حالات الإحباط وما يمكنها من تجاوز الأزمات.

فطرحت لنا رؤية تفلسف النصر وتنظر إليه من زاوية “لا نحبها”، فرغم إننا تعاملنا معه كحتمية (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)، إلا أن ذلك ليس بالضرورة أن يأخذ شكل قهر العدو وهزيمته، بل قد يكون بالظفر بالشهادة والرضا الإلهي. فالفوز وفقاً لمفهوم (إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) إما أن يكون أخروياً: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، أو يكون دنيوياً: (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

وهناك معالجة أخرى تلقيناها في ذلك الحين انصبت على النظر في حالنا والتشكيك في نوايانا، أكدت لنا أن الجهاد شابته أنانية ومصلحية دنيوية ولم يكن خالصاً لله، وإلا لتحقق جواب الشرط في الآية الشريفة.

أما الإمام الخميني نفسه، فقد لف الأمر في لفافة من الغيب والغموض، وقال إن في الأمر أسراراً ستظهرها الأيام ويكشفها المستقبل، وقال إن كثيرين لن يفهموا فوائد التضحيات التي قدمت في الحرب، ولن يستوعبوا البركات التي جاءت وستأتي بها دماء الشهداء، وقال أن لا شيء ذهب هدراً، وأن النصر آتٍ.

أما أنا شخصياً فما سكنت نفسي حتى جمعت هذه المعالجات مع حديث عن الإماء الصادق عليه السلام: “لَإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة ملك لم تنقض أيامه” فقد بیّنت هذه الرواية، مفهوم سنن التغيير، وما يحكمه من وجود آجال للدول، كما للبشر والكائنات الحية، فكما يسقط عامل بناء من طوابق عدة ولا يموت، أو يعثر رجال الإنقاذ على طفل حي تحت الأنقاض، كذلك تجتمع أسباب سقوط الحكومات، ولكنها تبقى ولا تسقط، لأنها لم تستوف الأجل الذي كتبه الله لها.

التغيير سنة كونية وناموس طبيعي، إذا أردت أن تطوّعه لصالحك، عليك أن تغير نفسك، فتنأى بها عن الحقد والتعصب، وعن الجهل والتعامي عن الحقائق، فإذا فعلت…فستعلم أن العراق قد تغير.

هذه حقيقة دخلت في الصيرورة التاريخية، وهناك الكثير من المعطيات التي علينا أن نغيرها في تفكيرنا وفهمنا لهذه الحقيقة.

عراق اليوم لا يختلف عن عراق صدام والعهد البعثي فحسب، بل عراق العهد العارفي، والعهد القاسمي، والعهد الملكي.

النظام العراقي الجديد لم يأت بانقلاب عسكري، ولا جاءت به عصابة تنظمت في حزب عروبي، قومي أو بعثي، ولا حتى إسلامي! ولم تفرضه دولة مستعمرة تناور لتتحكم وتبقي على سيطرتها، فتسلط أقلية ضئيلة على أكثرية مطلقة، كما فعل الإنكليز حين تأسست الدولة العراقية الحديثة.

لقد جاءت بالعراق اليوم إرادة شعبية عكستها قوى المعارضة الكبرى التي تجاهـد الظلم وتناضل الدكتاتورية، وهذه القوى تمثل أكثر من 95 ٪ من الشعب، وتقودها نخبة من أشرف أبناء هذا البلد، من الذين قاسوا الأمرين وضحوا بالأعزين، ومن الذين تمتعوا بحنكة ووعي قادهم لإنقاذ بلدهم عبر التنسيق، بل عبر تسخير واستغلال إرادة دولية تقف خلفها جملة من الدول المتحضرة المتمدنة التي تتفوق على دول منطقتنا على جميع الأصعدة ومنها نظم الحكم بمئات السنين.

صحیح إنها تنطلق من مصالحها، ولكنها في الوقت نفسه خاضعة لقوانين وملتزمة بعهـود ومواثيق وأعراف، لأنها – ببساطة- هي التي وضعتها، وهي التي تؤمن لها مصالحها الاستراتيجية.

وبعد، فعراق الغـد سيكون الأغنى والأكثر ثراء في المنطقة، إذ ستكون خبراته لأبنائه لأول مرة في تاريخه! وعندما تمتلئ العين وتشبع البطن وتستغني النفس، تعف الأعضاء وتلتزم الجوارح، فلن ينظر لا إلى الكويت ولا غيرها.

إن أسباب تشنج بعض نواب التيار الإسلامي المتطرف وبعض الكتاب من أنصار التكفيريين ذوي التوجه الطائفي، من العراق الجديد واستغلالهم أي حادث بسيط للتشنيع عليه وتشويه صورته، مفهومة ومكشوفة للجميع، والشمس لا يداريها غربال الحرص على المصالح الوطنية ولا التشدق بالحذر والخوف من تكرار الصامتة والغزو.

بمجرد أن يصدر تصريح طائش في صحيفة عراقية، أو يتحرك بعض الصبية على الحدود… ينفجر هؤلاء مضخمين مهولين.

والأخطر من ذلك أنه يعممون، فلا يستثنون أحداً في العراق، ويتعرضون للعراقيين كعراقيين، لا كبعثيين وصداميين، بأسلوب تهكمي بعيد عن الأدب والاحترام، وهذا مما تجده أيضاً في مسرحياتنا ومسلسلاتنا التلفزيونية.

وقد استغل البعض هذا الباب وأوغل فيه وتطرف، حتى برئ جيش الشام وألقى تبعـة دم سيد الشهداء الحسين عليه السلام على العراقيين، وقفز على جميع الحقائق التاريخية، ولعله إن قيض له أن يكتب عن العراق المعاصر، لكتب أن العراقيين (والإطلاق ينصرف تلقائياً إلى الغالبية المعروفة هويتها، أي إلى الشيعة) قاوموا الإحتلال الأمريكي بمختلف الوسائل، حتى فجروا المساجد والأسواق وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، ولبرئ هؤلاء الزرقاوي لعنه الله ومن معه من الفلسطينيين والشاميين والجزائريين والتونسيين والخليجيين!

إننا نهدر كنوزاً من العلاقات والصداقات التي بذلت الدبلوماسية الكويتية الكثير لتقيمها مع جملة من رموز المعارضة العراقية السابقة، الذين أصبحوا قادة العراق اليوم.

نحن والعراق منظومة واحدة، وتحت مظلة دولية واحدة، وتحكمنا استراتيجية واحدة ولا أريد أن أنفي إمكانية التقلبات السياسية وتقاطع المصالح التي قد تغير المواقف، ولكني أريد أن أقول أن هامش الخطر الذي يتهددنا من العراق أصبح هو نفسه الذي يمكن أن يقع من أية دولة خليجية شقيقة!

كيف تتوافق لغة نواب وكتاب كويتيين وتلتقي آمالهم وأمانيهم مع الإرهابيين القتلة الذين أقسموا وآلوا على أنفسهم أن ينتقموا من الكويت، لأنها كانت السبب وكانت رأس الجسر للدخول الأميركي وتحرير (احتلال) العراق؟

نعم هناك حقد دفين على الكويت في نفوس بعض العراقيين، ولكن من هم هؤلاء الحاقدون؟ إنهم هم أنفسهم أعداء النظام الجديد، النظام الدستوري الديموقراطي الفدرالي، الأقلية الطائفية التي لا تريد أن تفهم وتستوعب أن عصر الظلم قد ولى، وعليهم أن يكتفوا بما مضى، ويتكيفوا مع الواقع الجديد… لم يطيقوا هذا فتحالفوا مع بقايا البعث والتكفيريين.

فهل يلتقي كويتي مع هؤلاء؟!

صحيفة القبس – 20/11/2005