تصميم بدون عنوان (15)

إسرائيل تنصر «القاعدة»

عندما عطَّلت إسرائيل وصول السفن، وقطعت الطريق على إغاثة المحاصرين في غزة، وهتكت القوانين الدولية، وأزرت بقيم الإنسانية… لم تقتل وتجرح وترعب، ولا أهانت وسجنت ورحّلت فحسب، بل أقدمت على جريمة أخطر من هذه كلها مجتمعة! 

لقد أوغرت الصدور وشحنت النفوس وأججت العواطف والأهواء، حتى لو سألت كل عربي ومسلم لما تردد في الجواب، أن العقاب يجب أن يكون من جنس الجريمة والرد الوحيد الناجع يأتي بالالتحاق بالمقاومة، فإن عجز، دعمها ونصرها بكل ما استطاع وهنا يقفز الشيطان وينبري ليمارس دوره التاريخي، ويحرك أدواته وأقلامه وأولياءه، ليخلط الأوراق ويلبس الحق، ويزيف ويقلب، ويزين ويغوي ويغرر، فيوهم في مفهوم المقاومة، ويخلط بين صورتين منفصلتين ومتغايرتين، الأولى في العراق وباكستان، والثانية في لبنان وفلسطين، يخلط ليشوه معنى الجهاد ويطمس قيم النضال ويسحق معنى المقاومة وهو يساوي بين التصدي للمحتل ومكافحة الظالم وتحرير البلاد، وبين قتل النساء والأطفال، والعمليات الانتحارية التي تستهدف الأسواق والمدارس والمساجد! 

وفي خضم غياب الوعي وسطوة الجهل ورواج سوق الغوغاء، وفي ظل حاكمية القنوات الفضائية والمواقع التكفيرية في الإنترنت، بل في الصحف والنشرات والملصوقات.. مَن له أن يميز بين المقاومة المشروعة والإرهاب؟ وكيف للعوام أن يفرقوا بين الجهاد الحق وبين اتجار مقيت بالدين وأداء عنيف يهتكه ويشوهه ويتهدده بأضعاف ما تفعل إسرائيل؟! 

وقد يراهن البعض على ضياع الأمر وذهابه هدراً مع رباح المحدثات وكر الليالي والأيام. 

ولكن علينا أن نميز بين الحكم على الإعلام العربي بضعف الذاكرة، والرهان على أمة سريعة النسيان، لتنتهي الفورة وتخمد الغضبة بعد أيام…. وبين ما يجري في أروقة الإرهاب وأندية المنظمات التكفيرية وأدواتها الإعلامية وقنواتها التنظيمية، التي تعرف كيف تبقي النار متأججة والحمم تغلي في النفوس، وفي جعبتها من أدوات التعبئة ووسائل الشحن ما يفوق حاجتها التي تقف عند إقناع شاب غرٍّ بعملية انتحارية تنقله إلى الجنة ليتخلص من هذا الإذلال، وهي تسوق له أية يأنس بها وتسكن نفسه أَن (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)، فينتحر التعيس ويقتل معه جملة من الأبرياء، هو يحسب أنه يشفي صدره ويبرد غليله بالانتقام من أعداء الله! 

إن أسطول الحرية والمأساة التي وقعت له، خلقت وشكَّلت وأفرزت، فيما خلقت، رقماً خطيراً في الإغواء والتغرير، إذ كان الأسطول يبحر بمزيج من النموذجين: المجاهد المقاوم، والإرهابي التكفيري، فكانت النتيجة خلطاً خطيراً في الأوراق، ها نحن نشهد تبعاته وذيوله، ونحمد الله أن المجاهدين المزيفين استسلموا للكوماندوز الإسرائيلي سريعاً ولم يقاوموا الإنزال في سفنهم (وهذا ديدنهم إذ فعلوها من قبل في أفغانستان، حين انبروا لـ «الجهاد» ودخلوا في «المقاومة» بعد خروج السوفييت!، لم يقاوموا كما فعل ركاب « مرمرة » وإلا لو كان أحدهم قد أصيب بخدش أو أصابه كلم، ناهيك بالقتل، لكانت مصيبة كبرى، ولتحولت صورته إلى أيقونة يتبركون بها، ولا تعجب، فالقوم لا يأبون «القبورية»، إذا خدمت مشروعهم ولك في عباءة الملا عمر خير دليل وبرهان!

حق لنا أن نخشى الخلط، فكما تراه، وترى التحريف والتزييف في تصوير تاريخ الجهاد والمقاومة، لتظهر تركيا اليوم حاملة الراية واللواء، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو قطع العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي فعلته إيران منذ ثلاثين عاماً ونيف! وهي تدفع الثمن منذ ذلك الحين منات آلاف الأرواح ومئات المليارات وما لا يمكن إحصاؤه من الحصار والدمار. تراه ينسى ويمحق.. وكله عند العرب صابون! 

حق لنا الحذر والخشية أن تحولَّ عيون الأمة بل تغشى وتعمى، فيتحوَّل في نظرها التكفيريون إلى أبطال مقاومة!

لذا نحذِّر من المشاركة في مهرجانات الإغواء والمساهمة (ولو بسكوتنا ) في احتفالات تمجيد رجال ينتسبون ( ولو فكرياً) إلى منظمات إرهابية كالقاعدة وطالبان وحرس الصحابة وجند محمد وما إليها، وكانوا حتى الأمس القريب من دعاة محق الوطن وإنهاء وجوده!

لا شيء يغذي الإرهاب ويرفد التطرُّف مثل الأداء الإسرائيلي والسلوك الذي تعمد إليه الدولة الصهيونية وهي تفتعل أحداثاً، وترتكب جرائم تحمل من القسوة والشدة، ثم من الإذلال والإهانة ما يجعل الضمير العربي والوجدان المسلم يغلي غيظاً وحقداً، فلا يجدون أمامهم إلا أبواب المنظمات الإرهابية، لتتزوَّد هي وتؤمّن ما تشاء من موارد بشرية ومالية، ويهلك الشباب ويتحولوا إلى وقود جهنم!

مئة سؤال وسؤال:

قتل يوم الإثنين الماضي في باكستان الرجل الثالث في القاعدة، ولفتني أنه يدعى
أبو يزيد! وسواء كان اسم ولده الأكبر، أو هي كنية اختارها أو ارتضاها، ترى ماذا وجد هذا الخبيث في يزيد ؟ هل من أكرومة أو فضيلة أو منقبة؟ ماذا غير قتل ريحانة رسول الله وسبطه سيد شباب أهل الجنة؟… ويسألون بعد هذا وينكرون هل هناك اليوم نواصب؟

جريدة الدار 6/6/2010