خيانة إستراتيجية

في أعقاب دخول الأتراك الحرب العالمية إلى جانب ألمانيا، وقع اتفاق سري بين بريطانيا وفرنسا وروسيا على تقاسم السلطنة العثمانية والاستيلاء على المشرق العربي. وقد توصل المسيو «جورج بيكو» قنصل عام فرنسا في بيروت مع المندوب السامي البريطاني السير «مارك سايكس» إلى اتفاق نهائي على الخارطة الجيوسياسية الجديدة للمنطقة، ووقعا على الاتفاقية سراً في القاهرة في مايو 1916. ثم زارا معاً روسيا القيصرية وقدما لوزير خارجيتها مسودة الاتفاق الذي وافق عليه مقابل استيلاء الروس على مناطق في آسيا الصغرى وعلى البحر الأسود، بعد انتهاء الحرب كأسلاب مقابل الأسلاب الفرنسية والبريطانية.

وبقيت الاتفاقية سراً، وكانت ستبقى، لولا الثورة البلشيفية 1917، وقيام الاتحاد السوفييتي الذي أعلن رفضه للاتفاقية وفضحها. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 حين غزت السلفية الجهادية أقصى الغرب وضربت في عمق الكبرياء الأميركي.. وضع الغرب، بأقطاب لم تنكشف بعد، ولكن عمدتها أميركا وبريطانيا، خارطة جديدة للشرق الأوسط، تعيد رسم الدول والأنظمة بما يحاسب ويعاقب حواضن الفكر السلفي، ويقتلع جذور الإرهاب ويجتث وجودها من أصله. وكما ظهرت في سايكس بيكو عوائق تنفيذية من خلال دور الشريف حسين ومشروع الوحدة العربية ووعد بلفور، والنزاع على مشاريع سكك الحديد وقناة السويس ومنابع النفط.. كذلك تقوم اليوم عوائق تنفيذية قوامها حركات «المقاومة»، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق، تشاكس وتمانع وتحاول أن تسقط المشروع أو تعوق تنفيذه، لينتهي الأمر في النهاية إلى ما يحفظ التي تقف خلف هذه الحركات، ويؤمن وجود الأنظمة أقصى ما يمكن من مصالحها.

علينا أن لا نغفل عن هذه الرؤية الاستراتيجية في جميع شؤوننا السياسية، فالأمر يتعلق بالكيان وبالدولة، التي يذهب الدستور ومجلس الأمة والتطلعات السخيفة للتيارات السياسية، وكل هذا اللغو والرغاء الذي تمارسه يذهب ويعدم مقابلها .

علينا أن ننظر إلى مصالحنا كدولة وبلد مستقل لربما تعارضت مع منظومات شقيقة وحليفة لا ترعى – هي بدورها – أية قيمة، ولا ترقب أي مبدأ سوى مصلحتها وما يحسن نصيبها من الخارطة الجديدة للشرق الأوسط.

ومع الأسف الشديد، نلحظ أن هناك خيانة في الرؤية الاستراتيجية التي تجعل القراءة تخدم مصالح الآخر وتغفل مصلحة الكويت، وما زالت تسعى لربط الكويت وجرها إلى صراعات تنتهي بها إلى ما يخدم مشاريع الآخر ويصب في مصالحه.

إن اضطراب الوضع الداخلي، وعدم استقرار المسيرة السياسية، بمسوغات تبدو – للوهلة الأولى – منطقية ومحقة، كالدستور، والديمقراطية والشفافية، ومحاربة الفساد، وكلها عناوين حق، إنما السؤال على من يثيرها ويرفعها، أليسوا مثل الخوارج الذين رفعوا المصاحف، ونادوا بتطبيق الشريعة وتحكيم القرآن فقال أمير المؤمنين: «كلمة حق يراد بها باطل»؟

لقد قرأ شيعة الكويت – وجملة آخرين من السياسيين الواعين كالنائب علي الراشد
والكاتب عبد اللطيف الدعيج – المرحلة بوعي ومسؤولية، وتخلّوا – في ساعات – عن تاريخ ممتد وسلوك متأصل في المعارضة ومناكفة السلطة، خدمة لمصلحة الوطن وقطعاً لطريق إرباك الوضع الداخلي وإضعافه بما يفسح لتدخل الآخر.. فعلوا كل ذلك دون مقابل، ودون مساومة ومماكسة تحقق لهم أدنى الحقوق في حذف تكفيرهم من المناهج التربوية وإغلاق مراكز الفتنة التي تهينهم وتحقر مقدساتهم.

وهذا مما يسجل لهم، ويبقى في التاريخ نموذجاً حرياً أن يكون قدوة تحتذى… في مقابل أداء موغل في الحدة والتطرف، كأن لا شغل له إلا الفتنة وافتعال من يهز الجبهة الداخلية ويضعفها.

إن إثارة النزاعات مع العراق، العراق الذي يمثل نقطة البداية في الخارطة الجديدة، أمر يضر بمستقبلنا الاستراتيجي، وأتصور أن هناك بعد الأيدي العاطفية التي ألتمس لها العذر في حرقتها ووطنيتها، أيدٍ خائنة جلَّها في الصحافة والتيارات السياسية، وبعضها في مواقع صنع القرار أو التأثير والضغط، تسعى لتأجيج النزاع، بل اختلاقه، سواء في قضية إسقاط القروض والملاحقات القضائية «المحقة» للخطوط الجوية الكويتية أو الاصطفاف الطائفي أو غير ذلك مما يفوق حجمنا ويجرنا إلى ما لا يخدم مستقبلنا.

وفي هذا السياق تأتي الإثارة الإعلامية لقضية التجسس (المزعومة).. وهي – إن صدقت – فيجب أن تبقى في إطارها الأمني والتخصصي، وأن يفرز بدقة ما يستهدف الكويت وينال منها فيعالج بحسم وبلا هوادة معالجة أمنية، ثم قضائية قانونية، بعيداً عن المزايدات ومساعي السبق الصحفي !

هناك من لا تعني له الكويت شيئاً لا في ماضيه ولا حاضره، لم يضع حجراً في بناء السور ولا صمد في الغزو ولا قاوم.. تراه يصر على ربط أي حدث داخلي أو خارجي بامتداد الكويت الإقليمي أو القومي أو الطائفي وتصويره أنه يمس المنطقة والجار الأكبر.

إن لإيران مصالحها، ولمصر مصالحها، ولسورية مصالحها، وللسعودية مصالحها، وللغرب، الواضع والمخطط والراسم للخارطة الجديدة، مصالحه، ولن يتوانى أي فريق عن تنفيذ ما يخدم مصالحه ويحققها. فأين مصلحتنا نحن؟

إنني أحذر من هذا التيار الدخيل على الساحة الكويتية، الذي غزا الكويت من قبل ففشل وسقط للقلعة الحمراء في الجهراء، واندحر على مرأى أشرعة سفن الكويتيين وهي تقبل بالعشرات، ففزع وفر، لكن ها هو اليوم يعاود العمل من الداخل، كحصان طروادة، يريد أن يلحق البلد ويجعلها ورقة يساوم عليها الآخر ويلعب بها على مائدة ميسر الدول الكبرى.

 لقد غدر بنا صدام، فأخذنا بليل لم تشرق في صباحه شمس، حين أصبحنا على أزيز الدبابات العروبية، وغبار الحقد العفلقي، وسواد البعث الصدامي، ولم يقف معنا أحد! نعم، لم يقف أحد، حتى جاء الضوء الأخضر من الغرب بعد ثلاث ليال سوياً من أميركا على التحديد، عندها بدأ الحشد الدولي، وتكوّن الائتلاف الذي حرر الكويت. علينا أن لا نضيّع البوصلة، ولا نصدق أكاذيب خلقها الإعلام، رياءً ومجاملة، وطريقة دمثة لشكر من وقف، ولو متأخراً.

إنها غابة، والصراع فيها من أجل البقاء، ولن ينجو إلا من يحافظ على نفسه، وليس بالضرورة أن تلتقي مصالحنا مع دول وبلاد شقيقة وقريبة لنا، ولا بالضرورة أن نصارع ونناوش كل من لا يتفق معنا وندخل معارك خاسرة، يستدرجنا إليها الآخر، بما تملي شياطينه في الداخل ويزين الخونة، خونة الرؤية الاستراتيجية.. إن المرحلة دقيقة وحساسة وتتطلب حكمة عميقة وقدرة فائقة أولى أدواتها: المركزية في القرار والحسم، وقطع الطريق على الخونة، الذين في يخدمون الآخر، خدمة من أخطر ما يكون، فهي خيانة في الرؤية الاستراتيجية.

مئة سؤال وسؤال

إلى معالي وزير الداخلية : هناك قانون يمنع قيادة المنتقبة السيارة لماذا لم يتم تطبيقه، أو توقف العمل به؟

ثم لماذا الصياح على فرنسا وبلجيكا ؟

جريدة الدار 9/5/2010