صرح النائب هايف بأنه لن تقوم للعقائد الفاسدة في الكويت قائمة، وأن العقيدة الصحيحة هي عقيدته لا غير، ورمى الشيعة بالنفاق والشرك والكفر.. ولا أدري هل بقية الفرق الإسلامية “كالصوفية” هم من أهل السنة عنده أم يلحقهم الكفر كما الشيعة؟
بهذه العقلية كانت الكنيسة تدير أمور المسيحيين في القرون الوسطى، وهذا ما كان يفعله الكاثوليك “الأكثرية المسيحية” في تلك الحقبة، ويرمون الأرثوذكس «الأقلية» بالمروق ويخرجونهم من المسيحية، كما كانوا يرمون البروتستانت بالتجديف ووضع إنجيل آخر، ويسمون العلماء الذين قام على اكتشافاتهم واختراعاتهم عصر النهضة بالهرطقة.
وهذا ما رمى به فقهاء السنة في بغداد زميلهم أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن، وهذا ما حكم به الوهابيون على الدولة العثمانية فأسقطوا الخلافة الإسلامية في الجزيرة العربية، ومن تداعيات ذلك انطوى عهد الخلافة وطويت صفحتها، حتى ظهرت مؤخراً (بصورتها العقدية «الصحيحة»)! في أفغانستان على يد طالبان، وفي جزء من العراق على يد القاعدة.
إن ما يُرمى به الشيعة وينسب إليهم، يقابلونه بمثله وأكثر! يقال إنهم يسبون الصحابة الكرام الذين حبهم إيمان وبغضهم كفر ونفاق، وهم يقولون عنهم إنهم أمويون يوالون من يسب أمير المؤمنين ونواصب يبغضون أهل البيت ويترضون على الصحابي الخارج على إمام زمانه ويترحمون على يزيد قاتل سيد شباب أهل الجنة. يقال إنهم مشركون يتوسلون بقبر النبي والأئمة، ويقولون إنهم يرون أن لله يداً وساقاً وأنه – جل ربي وتعالى – يقوم ويقعد ويجلس، وأنه على هيئة شاب أمرد، وهذا تجسيم هو عين الوثنية، وهو كفر بواح. يُعيّرون بالمتعة (التي نص عليها القرآن)، فيردون عليه بالمغوط و«من طال عليه السفر…» وبالمسيار ورضاع الكبير.
من منطلق عقلي أنا متأكد أن كل وهابي أو معتزلي أو خارجي أو صوفي إذا ثبت عنده أن رسول الله يبيح زيارة القبور والتوسل بالأولياء وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، يسمعون ولبعضهم على الله كرامة فيجيب السائل، وثبت عنده براءته وتحذيره مما سيحدث بعض أصحابه من بعده.. لما تردد في البراءة منهم، وفي التوسل والتشفع بالنبي وآله الأطهار. كما أنا جازم بأن كل شيعي إذا ثبت عنده أن رسول الله أصحابه جميعاً دون استثناء ویرى عدالتهم جميعاً وأنه أمر باتباعهم، وأنه أوصى بترك أهل بيته ونبذهم، وفصلهم عن التشريع وتلقي الدين عن طريقهم، فإنه سيفعل ذلك ويلتزمه.
فنحن وهم والمسلمون جميعاً عندما يتدينون، فإنهم يريدون النجاة ويتطلعون إلى الجنة. إنما الخلاف في ثبوت هذه العقيدة ونقض تلك.. هم يأخذون دينهم عن أبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمران بن حطان وعن أي صحابي كان، ونحن نأخذه عن عمار وسلمان وحذيفة والمقداد وجابر، ثم عن زرارة ويونس بن عبد الرحمن عن الأئمة المعصومين، فثبت عندنا ما بطل عندهم، وبطل عندنا ما ثبت لديهم.. العقيدة الصحيحة عندنا نأخذها مما جاء في الكافي عن أبي بصير عن الإمام الصادق، الذي يتصل به السند إلى رسول الله، إلى اللوح إلى القلم إلى العرش، والعقيدة الصحيحة عند هايف يأخذها مما جاء في البخاري عن أي صحابي، فكلهم نجوم بأيهم اقتدى اهتدى، عن رسول الله. فانتهى هو إلى رأي يقسم بالله أنه حق، وانتهينا نحن إلى رأي يناقضه تماماً ونقسم بالله أنه حق!
وهكذا انتهى المسلمون اليوم، إلى من يأخذ عقيدته من الحسن البصري وواصل بن عطاء، وهناك من يأخذها من الطحاوي، وآخر من ابن تيمية وابن عبدالوهاب، وآخرون يأخذونها من الصدوق والمفيد.
فماذا وكيف نفعل الآن؟ ما نفعل كمواطنين كويتيين، كويتي شيعي وآخر سني، ماذا عليهما أن يفعلا في تنظيم العلاقة بينهما؟
ومن قبل، نسأل النائب الفاضل “والفضيلة والاحترام لمقام تمثيل الأمة وخيار شريحة من الكويتيين انتخبت هذا الشخص”: هل يريد أن يتعايش الشيعة أم لا؟ ألا يعني تصريحه أنه لن يسمح بوجودهم في الكويت؟ “وهو مطلب قديم طرح إبان حصار الجهراء” ؟!
إن هايف يعلم جيداً أن عقيدة الشيعة لن تتغير، والعراق ببابه، إبادات جماعية متتابعة وتنكيل منذ عهد الأمويين مروراً بالحجاج إلى عهد صدام، ثم اليوم على يد القاعدة لعن الله مؤسسها وممولها والعامل فيها، قتل وتفجير وإرهاب.. والجموع تزحف نحو كربلاء لتستلم الضريح المقدس لسيد شباب أهل الجنة، تتمسح به وتتبرك، وتتضرع إليه أن يشفع لها عند ربه ويقضي حوائجها، وتمضي غير عابئة بالمفخخات الغادرة والألغام التي تريد أن تثنيهم عن «البدع»، وتبعدهم عن حب أهل البيت وبغض أعدائهم!
فهل يفلح الضغط بمناهج تربوية وتعليمية ثم اللسع بسياط الإرهاب الفكري، عبر أسئلة الامتحان التي تريد أن تمتهن الشيعة وتذلّهم وهي تجبرهم على كتابة ما لا يعتقدون وإلا يرسبون؟ هل تستطيع أن تغير عقيدتهم؟ أم هل تتمكن الحيلة والخديعة المفتضحة في جمعية الآل والأصحاب أن تغش الشيعة وتجعلهم ينقلبون إلى سنة؟ أم هل يمكن لمجلس الأمة عبر تشريع قوانين الزكاة والصحابة و… أن يفعل ذلك؟! هيهات، ما هو إلا ما يورث الحقد والبغضاء بين أبناء البلد الواحد.
الأخ هايف من حقه أن يفرض آراءه و”العقيدة الصحيحة” التي يظن ويحسب، يفرضها على زوجته وأبنائه، ومن يرحب بالتلقّي منه والأخذ عنه، أما المجتمع الكويتي المتعدد فلا ولاية له عليه، لا بسنته ولا شيعته.
عام 2000 أصدر الفاتيكان وثيقة أخطاء الماضي، وأعلن اعتذاره للطائفة الأرثوذكسية التي ظلمها الكاثوليك لعقود متمادية، وطلب منها الصفح والغفران على كل المآسي التي تسبب فيها، ومن بعد جان بول الثاني، قام البابا الحالي بندكيت السادس عشر بزيارة كنيسة أرثوذكسية في اليونان، وصلى هناك وكرس الوثيقة عملياً .. فهل يفعلها المسلمون الذين يكفّرون الشيعة لعقود متمادية؟
تعال يا هايف إلى كلمة سواء بيننا وبينك، أن تمضي على عقيدتك ونمضي على عقيدتنا، لك دينك ولنا ديننا، والموعد القيامة، بل اللحظة الأولى في القبر وعالم البرزخ.. أما في الدنيا، فنحن إخوة في الوطن، تعال لنبنيه بمحبة ووئام، دون تأزيم وافتعال للفتن.
مئة سؤال وسؤال
إلى السيدة وزيرة التربية والتعليم العالي: في منهج الصف التاسع تكفير للشيعة وفي العاشر إباحة لدمائهم، نحن نعلم أن سنة الكويت لا يقولون بهذا، وخصوصاً ما تدين به الأسرة الحاكمة الكريمة، فمَن يقف وراء هذا الإصرار المستميت على بقاء هذا الفكر التكفيري في مناهج تربية أبنائنا، وإثارته في أسئلة الاختبارات؟
جريدة الدار 4/7/2010
