يرتكز الدين ويقوم على فكرة الحق، وهكذا بقية المدارس والمناهج التي تنتهي إلى عقيدة دينية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وإلا لما اتُّخذت ولا تبناها أصحابها وأتباعها. دع عنك السواد الأعظم المقلِّد الذي تلقى دينه ومعتقداته وعموم أفكاره من والديه وأهله، ومن بيئته ونشأته، ومضى على ذلك فالباحث والمحقق والمثقف ينطلق في متبنياته من هذا المنطلق أن ما وصلت إليه من قناعته هو الحق، وغيري باطل.
هذا ما يدعو له المسلم، ويبشر به المسيحي، ويقوله اليهودي، وينادي به البوذي، ويزعمه المجوسي والهندوسي والسيخي والإيزدي وكل ذي نحلة وملة.
هذا ما يقوله صاحب كل معتقد من لم يكن على معتقدي فهو كافر بالحق، جاحد للحقيقة، ضال عن سواء السبيل. أما المتدينون فيلحقون بذلك، خطاب الآخرة والحياة القادمة، فينذرون بأن منكر عقيدتهم ومخالف مذهبهم خالد في النار، أو (بالقائلون بالتناسخ) مخلوق في حياته القادمة وراجع إلى هذه الدنيا في جسم حقير كحشرة أو جماد مهمل كحبة رمل.
وليس في هذا التكفير ضير ولا غضاضة فهذه هي حقيقة الاختلاف وجوهر التفاوت إنما المشكلة والمعضلة في من ينقل الخطاب من مقام الاختلاف والتصنيف العقدي، والوعظ الأخلاقي، إلى الميدان التنفيذي والفعل العملي، أي يرتب الآثار على فكرة: الكفر والجحد والضلال، ويمضي ليُلحق بتصنيفه عقوبة دنيوية وجزاء ينزله بـ «الآخر» الذي لم يوافقه على معتقده ! فيقتل الأنفس ويسفك الدماء ويعيث في الأرض فساداً.
لا ينكر أحد أن في المدرسة الشيعية خطابا دينيا متكاملا (كما هو الحال في زعم أي مذهب آخر)، يرسم المعتقد وينهج للحياة بما يورث السعادة الأبدية، ما يفرز بطلان الآخر وخروجه عن الحق، ومرتكزه في التشيُّع الإمامة بعد التوحيد والنبوة، منهج يدين ويخطّئ من جحد الإمامة ومن حاربها ومن ردَّ عليها ومن تخلف عنها ومن تقدم عليها ومن خالفها، وفي المقابل: الفوز لمن تمسك بها، وأمان من لجأ إليها، وسلم من صدقها، وهداية من اعتصم بها.
ولكن هذا كله من متعلقات الفكر والمعتقد وميدان الجزاء والحساب عليه عالم الآخرة، وإن كان هناك عقاب على الكفر والضلال وفساد المعتقد في الحياة الدنيا (كالمعيشة الضنك)، فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينزله على الناس، لا الناس بعضهم على بعض.
ليس في الفقه الشيعي أية عقوبة أو جزاء يقع على المسلم الذي يتبنى مذهباً آخر غير التشيُّع، فالسني الذي ينكر الأئمة ويجحد ولا يتهم ويقدم عليهم غيرهم يعد مسلماً محقوناً دمه، ومحصناً ماله، مصاناً عرضه، محفوظا حقه. وهذا مما أجمع عليه الشيعة وأفتى به علماؤهم من الصدر الأول حتى يومنا هذا، وإن عارض ذلك شخص أو اثنان، فالنار في حكم المعدوم ولكل قاعدة شواذ، فلا يؤخذ قول واحد مقابل عشرة آلاف.
وهذه مؤلفات الفقهاء الشيعة معاصرين ومتقدمين ومتأخرين، مبذولة، لا تجد فيها من يرتب الأثر على الروايات التي تكفر غير شيعة، لا في الفتوى ولا الحكم، لا نظرياً ولا عملياً. الشيعة يفتون بطهارة السنة، وبإباحة ذبائحهم، ويمضون نكاحهم ومواريثهم، ناهيك بحرمة الدماء والأموال والأعراض. هذا ما يفتي به السيستاني والخميني والخوئي وكل مراجع الشيعة.
أما ما يشنع به التيار التكفيري مما التقطه في الموقع الإلكتروني للمرجع الأعلى للطائفة آية الله العظمى السيد السيستاني من ذكره حكم منكر الإمامة، لا يعدو قراءة على طريقة «ولا تقربوا الصلاة» تستخف بها العقول وتستمال بها الأهواء، ولا يتجاوز مغالطة رخيصة، يغرر بها العوام، فالحكم المذكور هناك، وهو وارد في عشرات المصادر والمواقع الأخرى، إنما يتعلَّق بالجانب العقدي والفكري الذي أشرت إليه ومتعلقه المعاد ويوم القيامة، ولا تترتب عليه أية آثار عملية من إباحة الدم وجواز انتهاب المال أو غير ذلك. هذا هو الفارق، هناك بحث علمي نظري، وهنا تكفير عملي وقرار تنفيذي ! وإنما أطلقت تسمية «التكفيريين» على القوم من هذا الفارق والمائز الحاسم فهم حين يحددون ضوابط الكفر ويرسمون معالمه، تراهم يرتبون الأثر فيسقطون الحرمة ويبيحون القتل، بل يعمدون إلى التطبيق والتنفيذ كلما سمحت لهم الظروف وأطلقت أيديهم !
إنهم يفتون بأن من زار قبر النبي والأئمة فتمسح به وتبرك، ثم توسل به ودعا الله بجاهه وحرمته، فهو مشرك كافر ! ثم يحكمون بأن الشيعة يفعلون ذلك، فهم كفار، مباح دمهم ومالهم. هذا ناهيك عن الإفتراء والقذف، كالقول بأن للشيعة قرآناً آخر غير المصحف الشريف، فهم كفار!
وتنتقل الفتوى ويطبق الحكم كلما سنحت الفرصة وحيثما تمكنوا واستطاعوا، فتنفذ قتلاً على الهوية واستباحة للحرمات كما فعل الطالبان في أفغانستان وباكستان، ثم تفجيراً في الأسواق والحافلات والمدارس والمستشفيات في العراق، لا توقر النساء والشيوخ والاطفال ولا تستثني العتبات المقدسة والمساجد والحسينيات، يعيثون قتلاً وتدميراً لا يميز بين تمثال بوذا في باميان وحرم الإمامين العسكريين في سامراء !
ذاك هو الفارق العلمي والفكري، وهذا هو الفارق الأخلاقي والإنساني.
مئة سؤال وسؤال
إلى معالي وزير الأوقاف: هل استمعتم إلى شريط تسجيل خطبة الجمعة لإمام مسجد قطعة (7) في منطقة مبارك الكبير قبل إسبوعين عندما قام بتكفير المواطنين الكويتيين الشيعة والحض على كراهيتهم علماً بأن صوته الذي كان من أنكر الأصوات يصل إلى بيوت المواطنين المجاورين للمسجد عبر مكبرات الصوت؟ وللمزيد من العلم.. هذا المسجد هو ذاته الذي احتمى به إرهابيو تنظيم أسود الجزيرة وقتلوا خيرة رجال الأمن في الكويت.
هل تمت إحالته إلى التحقيق الإداري؟ هل تم إيقافه عن الخطابة ؟ هل تمت إحالته إلى النيابة العامة وقدمتموه للقضاء ؟ هل أخبرتم مجلس الوزراء ووزيرة التربية عن حقيقة من وضع مناهج التربية الإسلامية؟
جريدة الدار 7/4/2010
