أكثر ما أخشاه ألا يكون الأمر من العارض الطارئ، ويكون متجذراً، ضارباً في العمق والصميم، وناخراً في القلب والأساس… وفي ذلك مصيبة عظمى قبل أن تكون مفارقة تسجل التعارض والبون الشاسع بين انفتاح الشعب الكويتي وتسامح هذا المجتمع المتمدن المتحضر، وبين تشدد رجال الدين فيه وتطرفهم.
لا يبدأ الأمر من مشروع “الموسوعة الفقهية الكويتية” التي هتكت البحث العلمي وأزرت بأصول الفن والصناعة وهي تصنِّف «موسوعة» تستعرض (في المفترض جميع) الآراء الفقهية للمذاهب الإسلامية كافة، وتحصي كل ما قيل في الصلاة والصوم والحج وغيرها من فروع الفقه والشريعة الإسلامية، تراها تغفل أو تتجاهل رأي الإمامية والزيدية، وتسقط مدلول «الموسوعة» وتقلبه إلى كتاب في الفقه على المذاهب الأربعة، أو (في الفرض الأخطر) أن الإمامية والزيدية ليسوا من المسلمين، ولا تعد آراء فقهائهم من آراء الفقه الإسلامي!
كما لا ينتهي في مناهج وزارة التربية لمادة التربية الإسلامية، والتي شهدت نقلة نوعية من بداية الثمانينيات من القرن الماضي، مع تغييب الأساتذة والعلماء المصريين والسوريين (وعموماً، الأزهريين)، وانتقال الأمر إلى إشراف مشايخ كويتيين، استنسخوا مناهج بعض دول الجوار ونقلوها ليحقنوا بها أرواح أبنائنا وبناتنا ويغسلوا بها عقولهم، ويخلقوا جيلاً زرعوا فيه الحقد والكراهية، ولقنوه العصبية، ما مسخ الطبيعة الكويتية المتسامحة، وقلب القلوب تجاه التطرف والغلو.
كنت أسجل هذه الظواهر السلبية وغيرها، مثل رد هيئة الإفتاء في وزارة الأوقاف على سؤال النيابة العامة حول محاضرات تكفيرية لأحد المشايخ المتهمين، وجواب الهيئة بخلو المحاضرات من أية مخالفة شرعية، وهكذا فتواهم بتحريم عمل المرأة في الحقل السياسي النيابي، رغم الرغبة الأميرية السامية، التي يشكل (في المفترض) حجية كافية من باب طاعة ولي الأمر، ثم فتوى نفس الهيئة في مسألة حجاب النائبات المنتخبات وأنه مخالف للضوابط الشرعية، ونقض المحكمة الدستورية ذلك.
أسجّلها وكلي أمل ورجاء أن في البيت غير هؤلاء، وأن أصحابه الأصليين سيعودون يوماً ويستعيدون الزمام ويصلحون وجهة الدفة، ويرجعون بالسفينة إلى مسارها الصحيح ويرسونها على بر الأمان….
حتى صعقتنا عريضة نصرة العريفي والدفاع عن أفكاره التكفيرية المتطرفة، التي وقعها مشايخ كويتيون، أهانوا وجرحوا إخوة لهم في الوطن … موقف لم يثنهم عنه حتى «صدامية» الرجل وثناؤه وترحمه على الطاغية الذى قتل الكويتيين ودمر بلادهم وكاد أن يقضى عليها لولا عناية الله ولطفه، وإسعاف أمريكا ودول العالم المتحضر.
لقد بثَّت فينا العريضة اليأس لسببين، الأول: جرأة أصحابها وعدم مداراتهم لمشاعر الناس، واستهانتهم بالملاحقة الاجتماعية والمحاسبة القانونية، وعدم مبالاتهم بالعار ولا خوفهم من الفضيحة التي ستلحق بهم، الثاني: بعض الأسماء التي ضمتها اللائحة.
فبعد زمرة لا يرجى منها خير لهذا البلد، ولا ينتظر منها غير التكفير والتطرف والغلو، رأينا أسماء كان بعض الوطنيين يصنفها في الوسطية والاعتدال، ويعقد عليها الآمال، ويدّخرها للضيق والشدة، فإذا بها من مدَّخرات القوم لا ذخائر الوطن، كشفها الحدث وفضحها ولما يبلغ بعد المحن! ورغم أني شخصياً كنت في ريبة من أحدهم، إذ كنت أتابع برنامجه الإذاعي اليومي، وأسجل إصراره على عدم ذكر رأي الإمامية رغم وجود المقتضي في موارد كثيرة من أسئلة المستفتين، وأحسب ذلك على تعصبه وتطرفه، إلا أنني كنت ألتزم الظاهر ولا أبني على قراءة النيات والسرائر، وأحمل موقفه على القناعات الفقهية، حتى جاء العريفي وفضحه!
كيف يجرؤ هولاء على الاستخفاف علناً بقضية الكويت الأولى، فيدافعون عن صدامي خبيث؟ كيف يبقى داعية على دوره وموقعه في برنامجه الإذاعي الذي يسوِّق له كفقيه للحكومة، وهو يكفِّر، أو للدقة، يؤيد من يكفر ثلث الشعب الكويتي (على الأقل)؟
ثم كيف تنقلب الدنيا رأساً على عقب لتأبين رجل يقال انه قتل كويتيين اثنين، ولا تطرف لهم عين لنصرة رجل يدافع عمن قتل وجرح وأسر عشرات آلاف الكويتيين وشرد مئات الآلاف؟
إنني وكثير غيري، في يأس وإحباط من المؤسسة الدينية الكويتية، وها هي تثبت وتبرهن علناً، وبما لم يبق هامش للترديد والشك، بأنها ليست كويتية، لا فكراً ولا ثقافة ولا روحا….
وكأنها أجدبت وعمها قحط الرجال، فلم يبق إلا الدكتور الوقور خالد المذكور، فلندع له بالنجاة من شر التكفيريين، والصون من أن يسلقوه بألسنتهم الحداد، وأن يحسد شحّهم جوده وعطاءه.
مئة سؤال وسؤال
إلى معالي وزير العدل: جاء في حيثيات حكم محكمة الجنايات الصادر في قضية تنظيم أسود الجزيرة بشأن ما تم من تبرئة بعض المتهمين، بأن هناك قصوراً تشريعياً في مواد القانون يحول دون إدانة هؤلاء المتهمين، ما يعني ارتكاز تجريمهم واستقرار استحقاقهم للجزاء في تصور القضاء وضميره، ثم عجزه عن إيقاع العقوبة للقصور التشريعي.
هل قامت وزارتكم والإدارات المتخصصة بمعالجة هذا القصور التشريعي، هل قمتم بأية خطوة على هذا الطريق، لا سيما أن هذا الحكم صادر منذ عدة سنوات؟
جريدة الدار 28/3/2010
