أخطر جرائم صدام – الطائفية..

الطائفية داء استحكم في العراق منذ تأسيسه، فقد ولد هذا البلد وترعرع حتى كبر، وفي قرار مؤسسيه ووجدانهم أن الطائفة التي قاومت الاستعمار البريطاني، ودافعت عن الخلافة الاسلامية والسلطة العثمانية وبقائها في العراق، لا تستحق أن تقود عراق ما بعد الاستعمار، ويجب أن لا تكون لها حصة في إدارة العراق المستقل، ويجب أن تقصى وإن كانت الأكثرية، وأن تهمّش وإن ضمت في جنباتها أفضل الكفاءات وأعظم الرجالات.

(ولن أعود لما قبل ذلك من العهود العثمانية والعباسية والأموية، حتى عهد الخلافة).

هذه حقيقة لا ينكرها إلا من لا حظ له من الموضوعية والحياد والأمانة العلمية.. ولهذه الطائفية مظاهرها المعروفة والمشهودة، التي لا نريد استعراضها، فهي لا تخفى على أحد، ونحن جيران هذا البلد ولنا امتدادات اجتماعية ودينية تجعلنا لصيقين به وعلى اطلاع بأحواله بشكل تفصيلي.

وعلى الرغم من الويلات التي تجرها الطائفية على أي مجتمع تدخله، إلا أن العراقيين كانوا قد تأقلموا واستطاعوا أن يدوسوا على الجراح ويتعايشوا فيما بينهم، وإن لم تسعفنا الحقيقة ويسمح لنا الواقع لنطلق على ذلك التعايش أنه كان بمحبة ووئام وتواد وتراحم، فالقدر المتيقن أنه كان- في عمومه- يمضي بأمان وسلام.

فأقصى ما كان يخشاه الشيعي من جاره السني وأسوأ ما كان ينتظره، أن يسلقه بتقرير أمني يلقيه في غيابة السجون، لذا كان يحذر أن يستفزه أو يأتي على ما يفسح لهذا الجار، أو لزميله في العمل، أن يسجل عليه زلة لسان ينال فيها من السلطة، أو سقطة أو عثرة تتقاطع مع مصالح هذا الجار وذاك الزميل، فكأنه اختلق لنفسه المشاكل وألقى بها في التهلكة، فعليه ألا يلومن إلا نفسه!

وكانت الحياة تمضي بمرّها وحلوها الذي لم يعرف له العراقي طعماً طيلة الثلاثين عاماً الماضية، حيث كانت وتيرة التعاطي الطائفي الساخن في تزايد مطّرد، وصار يتخذ أشكالاً مستحدثة لم تكن حتى في الدولة العارفية فضلا عن الملكية وناهيك بالقاسمية.

ولكن لم يخطر في مخيلة الشيعي يوماً ولا حدثته نفسه مرة أن جاره أو زميله السني يمكن أن يفجر المسجد الذي يؤمه للصلاة بجموع المصلين أو أن يتسلل إلى الحسينية التي يقصدها ليقيم شعائره المذهبية في محرم (أو للصلاة في غير محرم، فما كل المناطق كان يسمح فيها ببناء مساجد للشيعة، فصارت حسينياتهم مساجدهم!) متمنطقاً بحزام ناسف، ليدمرها بمن فيها، أو أن يتطاول على مرقد أمير المؤمنين في النجف الأشرف أو العتبات المقدسة في كربلاء! ولا سيطر عليه هاجس أن حاجزاً طياراً سينزل الشيعة من سيارات الأجرة وينحرهم كالخراف!

فإن شطح الفكر وغربت المخيلة، فما كانت لتبلغ أن انتحارياً قد يقتحم سرادقاً أقامه لاستقبال المهنئين بزفاف ابنه!

هذا العنف، وهذا النمط من التعاطي الطائفي هو من صنيعة صدام..

صدام، في سنيه الأخيرة (بعد دحـره من الكويت راغماً ذليلاً) هو الذي أسس المدرسة التكفيرية. وهي مدرسة غريبة على البلاد والمجتمع (السني)، لم يكن لها وجود في العراق الماضي ولا الحاضر.

هو الذي منحها تراخيص لمدارسها، وهو الذي أفسح لأنشطتها الفكرية والثقافية التي غزت هذا الفكر وروجت، هو الذي بسط لها فراش جمع وتأمين الموارد المالية سواء من داخل العراق أو خارجه، بل هو الذي نسق وربط وجهز ودرب عناصر هذه الجماعات التكفيرية، واستقدم الزرقاوي عبر “الحـديـدي”، وربط شبكات البعث وفدائيي صدام بالقاعدة والجماعات التكفيرية.

وبعد الأداء القبلي و إذكاء النزعة العشائرية والعودة بالدولة إلى العصر البدوي، فإن هذه النقلة النوعية في التعاطي الطائفي تنذر بالقضاء على البقية الباقية من “دولة العراق”، وتهدد بحرب أهلية تنتهي لا محالة بتقسيمه..

والتقسيم أمر كان سيتحقق بهذه العجالة من فرط الأحداث المتسارعة، لولا الموقف الحكيم والقدرة الجبارة التي أظهرها السيد السيستاني في ضبط النفس والامتناع عن الرد والإحجام عن الانتقام، ذلك حين أصدر فتواه وحدد الحكم الشرعي الذي حرم أية عملية ثأرية، فلا يجوز القتل إلا للقاتل نفسه دون أهله أو عشيرته، أو أبناء مذهبه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أوكل حتى القصاص وإجرائه (في حال تحديد القائل وتعيينه) للدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية، في خطوة تعني الكثير على صعيد ترسيخ الدولة والنظام، خاصة في هذا الظرف العصيب.

ينقل لي أحد الأخوة العراقيين أنه أضاع الطريق بين بغداد والنجف الأشرف في منطقة اللطيفية، وهي منطقة شيعية زراعية تشكل ممراً إجبارياً لزوار العتبات المقدسة، نزحت إليها بعض العشائر السنية من المنطقة الشمالية في أواخر السبعينات بتوجيه مباشر من النظام، فاستوطنت هناك ونهضت بدور أمني هام في الوشاية بزوار العتبات القادمين من بغداد وملاحقتهم.

أضاع صاحبنا الطريق حتى أدركه الغروب، فعلم أن التحرك عاد مجازفة لا طائل له من ورائها، فراح يبحث عن مأوى، فلاحت له أنوار توجه إليها، فاستقبله أهل الحي بالترحاب وأنزلوه ومن معه ضيوفاً مكرمين..

وبعد فترة وجيزة أذن المؤذن للصلاة فقاموا يتهيأون، وهنا دنا منهم رب المنزل وأسر لهم: إنني أعلم أنكم شيعة، وأنكم في طريق زيارة الحسين عليه السلام، ولكني أطلب إليكم أن تؤدوا صلاتكم مع أبنائي هؤلاء وصحبهم، وأن تصلوا مثلهم، إذ أنهم لو علموا حالكم لما تركوكم إلاّ جثثاً بلا رؤوس!

هذا ما فعله صدام بالعراق….

الأب المغلوب على أمره سني لم يتخل عن مذهبه، ولكنه ينبذ العنف، ويرفض الغدر، ويأبى التكفير.. أما الأبناء وبقية أهل الحي، فإنهم ربائب صدام، وهذه هويتهم، وذاك سلوكهم وفعلهم.

ومما ينبغي ملاحظته والانتباه إليه أن طائفية التكفيريين لا تتوجه إلى الشيعة فحسب، بل هي ضد كل من خالفهم وصنّف – وفقاً لقواعدهم – مبتدعاً أو مارقاً..

وهذا ينال الصوفية في باكستان، قد شهدنا مؤخراً عملية أودت بزوار أحد المراقد. كما ينال السنة في أفغانستان وقد فجر انتحاري نفسه في مسجد سني بحت (لا صوفي ولا شيعي) كان يقيم فيه المسلمون صلاة الجنازة على روح أحد الضحايا الطالبان، ويعم كذلك رجال الأمن في الكويت وفي السعودية، وقد شهدنا استخفافهم بالدماء وعبثهم الذي أودى بثلة من خيرة شباب الكويت، من رجال الأمن.

إذاً القضية الطائفية ليست بالمعنى الذي قد يتصوره البعض، فالدائرة ستدور وتتسع حتى تشمل كل من ليس معهم، كائناً من كان، من أي مذهب كان.

الأعجب من هذا وذاك، أن يلتقي المنهجان في الخطاب الثقافي المستجد الذي صرنا نلاحظه في كتابات بعض التكفيريين، من الغمز بالقومية والتحرك على خلفية قبلية، فهذا منشور وهابي يغمز بأن الروافض “فرس” … فهل هذا من الصدف، أم أنه الوقود الفكري والخلفية العلمية التي تمد العنف وتسوغ له بالأدوات التي تلتقي بصدام، وتسدد له بعض دينه في أعناقها، وترد له بعض معروفه عليها؟!

 صحيفة الوطن – 23/6/2005