إلا آل الصباح

يختلف الكويتيون في كل شيء ويتنازعون على كل شيء…

يختلفون في انتماءاتهم الدينية المذهبية، وفي أعراقهم والاصول التي ينحدرون منها، وفي مناطقهم وتوزيعهم الجغرافي، بل في فهمهم للمواطنة والوطنية على ضوء مختلف المدارس الفكرية: الإسلامية والقومية والأممية.

ويتنازعون على كل شيء، على تقسيم الدوائر الإنتخابية وحصصهم في مقاعد مجلس الأمة، ونصيبهم من الحقائب الوزارية، وفي المناصب العليا والوظائف الصغرى، وعلى الكسب التجاري والامتيازات وتأسيس الشركات وأسهمها، وعلى المناقصات وقنوات “التنفيع”، وما إلى ذلك… ويتنازعون حتى على توزيع القسائم الصناعية، والشاليهات والمزارع والجواخير!

وأكاد لا أستثني حقلاً سياسياً أو اجتماعيا أو تجارياً أو ثقافياً إلا وتجد فيه مذاهب وآراء ونظريات متضاربة ومتعاكسة، لا تلبث أن تفرز فئات وطبقات وجماعات وأحزاباً ومنظمات.

في هذا الخضم المتلاطم المتضارب، لا يلتقي الكويتيون على شيء إلا..

على آل الصباح.

وهكذا يريد الكويتيون التغيير في كل المجالات طولاً وعرضاً، يريدون تغير أساليب العمل وآلية تغيير البلد، ومن النظام الاقتصادي، إلى قضية الحريات النقابية والحزبية، إلى الدوائر الإنتخابية، إلى المناهج التعليمية.. إلا نظام الحكم، يریدونه کما هو ويرفضون المساس به.

إن تمسك الكويتيين بهذا النظام وهذه الأسرة الكريمة وليد قناعات ما زالت الأيام تثبتها وتزيدها رسوخا، قناعة بكفاءة هذه الأسرة ورجالاتها الأفذاذ، وقناعة بأهمية وَسَطيتها وقدرتها على الموازنة التي تحفظ البلاد وتدرأ عنها الأخطار والشرور، فليست القضية في سرعة حركة السفينة وبطئها، بل في قدرتها على التوازن والثبات أمام التقلبات والأمواج العاتية.

بالأمس فقدنا أحد رجالات هذه الأسرة..

ولا أريد هنا أن أكرر ما كتبه الزملاء وسطروه من سجايا الراحل العزيز، ولكني أريد ان أشير إلى واحدة من الخصال التي تجعل الشعب يتمسك بهؤلاء…

رغم أن الفقيد معروف بتدينه والتزامه الشرعي، تراه في مقام الأب الراعي لجميع التيارات السياسية والدينية والمذهبية، والحاكم المسؤول عن تطبيق الدستور ونصه وجوهره الكافل للحريات، وأهمها حرية الفكر والتعبير…

تراه يعمل بصلاحياته القانونية والدستورية ليجبر إفراط بعض المؤسسات وتفريط بعضها الآخر، فيتدخل لإصدار عفو أميري عن الدكتور أحمد البغدادي وعن ياسر الحبيب … ليبقى الحاكم الذي عليه أن يتجرد من ميوله وأهوائه، وينطلق من موضوعية تتجاهل رغباته وقناعاته الشخصية، ويبقى الأب المربي الذي لا يريد لأبنائه المزيد من الضرر والأذى الذي يلحقونه بأنفسهم وأهليهم وبلدهم وسمعتها.

إن مثل هذه المواقف قد تبدو جزئيـة وصغيرة في حجمها ودورها.. ولكن الواقع يقرر أنها كبيرة بما تمثله من روحية تتفهم الآخر، وعظيمة بما تعنيه من تجرد الحاكم وموضوعيته ووسطيته ووقوفه على مسافة واحدة من الجميع، فهو قريب من العلماني قربه من الإسلامي، يعطف على الشيعي عطفه على السني ورأفته به، يرعى البدوي رعايته للحضري..

هذه هي المعادلة التي تجعل الكويتيين جميعاً يلتقون عند هذه الأسرة.

لا يسعنا إلا أن نتقدم إليها بخالص العزاء على هذا المصاب الجلل…

وان يجعلها الله خاتمة الأحزان، وكلنا يقين أن في رجالاتها من سيسد الثغرة ويجبر الكسر وسينهض بالحمل، ويقوم “المحمل” من جديد، ويقيه التقلّبات والرياح والأمواج العاتية، ويصل به إلى بر الأمان.

صحيفة القبس – ۲۳ / ١٢ / ٢٠٠٥