في حين تشهد الساحة الفلسطينية كثيراً من الهدوء والاستقرار، ويتنفس المواطن المغلوب على أمره الصعداء، وقد عاد الفلاح إلى حقله والعامل إلى مصنعه، والطالب إلى مدرسته، وصار المريض يتلقى ما يحتاجه من علاج في المستشفى، وانحدرت نسبة الإذلال على الحواجز الإسرائيلية إلى أدنى درجاتها.. إثر إقدام فصائل المقاومة الإسلامية المسلحة هناك على وقف عملياتها الجهادية، وتوقف ما كان يستتبعها من اجراءات إسرائيلية ما كانت تكتفي بالرد، بل غالباً ما تصل إلى التعسف.
ما زال المواطن العراقي يعاني من التدمير المنظّم للكهرباء، والإتلاف المستقصد لأنابيب النفط وامدادات المحروقات، والشلل شبه التام في الخدمات المدنية والصحية والتعليمية، وقبل كل ذلك الفلتان الأمني الذي يتهدد كل رجل وامرأة وطفل وطالب ومصل وعابر سبيل وبائع خضار وماسح أحذية، بسيارة مفخخة تقلبه أشلاء!
بينما تتوالى الأنباء عن هدنة وتفاهم أوقف العمليات الجهادية، الإنتحارية وغير الإنتحارية، في فلسطين، وأنباء عن لقاءات بين ممثلي فصائل المقاومة المسلحة ورجالات السلطة، أو دوائر المخابرات المصرية، ومندوبين من المفوضية الأوروبية وحتى مفاوضين إسرائيليين..
نجد أن “الجهاديين” في العراق ماضون في تشددهم بإفراط لم يسمح حتى بتقديم مشروع يفلسف لهذا الاداء الاسطوري في الموت والتخريب، ولا بظهور واجهة سياسية تعرض رؤاهم للخروج من الوضع التدميري المفجع الذي ساقوا البلاد إليه.. ناهيك بالحوار والتفاوض !
ترى لماذا توقف الجهاد هناك وما زال ماضياً على أشده هنا؟
هل الأمريكان أشد عداوة للذين أمنوا من الإسرائيليين؟ أم أن النصارى أشد خطراً على الإسلام من اليهود؟
لو كان المجاهدون الفلسطينيون من مذهب آخر لقلنا أن المسالة تخضع لاجتهادات فقهية، تجيز العمل بالتقية، أو تبيح الصلح والمهادنة مع الكافر الحربي، وما إلى ذلك من عناوين… ولكنهم جميعاً إخوان في المذهب والعقيدة والخط السياسي، كلهم جهادیون كلهم من أهل السنة والجماعة، لا رافضي بينهم، ولا حكومي ولا عميل ولا سياسي ولا علماني، بل كلهم إسلاميون مؤمنون بالبندقية والرشاش والعمليات الإنتحارية.. فلماذا توقفت الجماعة هنا ولا تزال مستمرة في العراق؟
أعتقد أن السر في أمرين:
الأول فكري حركي: حيث إن الجهاديين في العراق هم من أتباع المدرسة الوهابية التكفيرية، وينتمون سياسياً إلى القاعدة وغيرها من المنظمات الموازية، كحرس الصحابة وأنصار السنة، أما الفلسطينيون فينتمون إلى الإخوان المسلمين وإلى حزب التحرير ولم يكن النبهان وهابياً ولا حسن البنا تكفيرياً.
فالعلة إذا في المدرسة التكفيرية لا الجهادية، فبينما تتمتع الثانية بشيء من المرونة وإمكانية الحداثة والتطوير ومواكبة العصر، فهي ابنة المدنية والحضارة بكل معطياتها التي تجعلها قابلة للتفاوض والتفاهم والوصول إلى حلول ما.. تقبع المدرسة الأولى في أقصى مراتب التحجر والتطرف، فهي ابنة الصحراء، وما كانت لترث منها إلا الشدة والحدة والجلافة التي زرعت في روادها قسوة لا متناهية. وكأن الشيطان قد استولى على منابع العطف والرقة في نفوس هؤلاء، ونزع جذور الرحمة من قلوبهم، فصاروا يتلذذون بالقتل ويعشقون التدمير، لا أنه أمر كتب عليه وهو كره لهم!؟
أما الأمر الثاني: إن هذه القسوة والضراوة في العنف، والعشوائية والإصرار على القتل والتدمير، ترجع إلى نظرة التكفيريين للعراق، وأنه أصبح دولة “الآخرين” وبلاد “غيرهم”، حين خرج من أيديهم بسقوط صدام، الذي يصفونه-على علاته- “سنياً كان يحارب المظاهر الشركية”!
ولا تعجب عزيزي القارئ من هذا، ففي تاريخ يمتد لثلاثة عقود لم يتصد لمعارضة صدام، ناهيك بمواجهته أو جهاده من الإسلاميين السنة إلا شرذمة قليلة، كان الشهيد البدري في طليعتها، ولا ترى اليوم إلا أمثال حاجم الحسني ومحمد عبدالحميد، وكلهم من “الإخوان المسلمين”، بعيدون عن الفكر التكفيري.
نعم، إن ما يؤجج للإرهاب في العراق نظرة تنطلق من هذا الأفق الظلامي الموغل في الطائفية العمياء، والقومية الجهلاء: فدولة رئيس جمهوريتها كردي، ورئيس وزرائها شيعي لا تشكل لهم أية حرمة ولا تعني أية قيمة!
فالتدمير سواء في الناس وتحويلهم أشلاء، أو في البنى التحتية للبلاد وخراب الشوارع والمدارس والمستشفيات وتعطيل المصالح وتأخير الاستقرار… كلهـا أمور يتوقف الامتناع عن القيام بها أو التحفظ عليها في لغة “المجاهدين” على المقارنة بين المصالح والمفاسد، ودراسة الثمار والنتائج ثم ترجيح كفة على أخرى: هل تستحق المكاسب ما نخسره فنستمر في الجهاد، أم أن الثمن الذي ندفعه يفوق المثمن فنتوقف؟
ووفقاً للمنطلقات الطائفية للمدرسة التكفيرية، لا مصلحة في العراق تحبسهم عن الاستمرار في تدميره.
العراق في قاموسهم بلاد البدع والمتبدعة والقبور وعبّادها!
وهو بمثابة ميدان رماية وجبهة نزل فيها أعداؤهم إلى حيث يريد هو ويريدون، ولا حرمة للناس هنا، ولا قيمة للبلاد، فلماذا يتوقفون عن التدمير والتخريب، ولسان حالهم بعد سقوط صدام ورحيل الأعزة وذهاب عزهم “عليّ وعلى أعدائي”!.
بينما الأمر ليس كذلك في فلسطين، فالمجاهدون ينظرون إلى البلاد على أنها بلادهم، والمصالح فيها مشتركة معهم، والسلطة ستؤول إلى من ينتسبون إلى مذهبهم، ولو كانوا فسقة وعلمانيين ومجرمين، لكنهم من أهل المذهب نفسه وليسوا من أتباع مذهب آخر، ومن أبناء القومية نفسها، أي عرب مثلهم لا أكراد ولا شركس!
لهذا ترى أن “الجهاد” توقف في فلسطين ولعله انتهى، وما زال مستمراً، وسيبقى حتى آخر تكفيري… في العراق.
صحيفة الوطن – 4/7/2005
