لكل أمة متحضرة قيم خلقتها ومبادئ انطلقت منها وأخلاق تحكمها… ثم هناك رسالة توجّهها وتريد لها أن تعم البشرية وتحكم حياة الإنسان. وتجد ذلك ينعكس في سبات ومعالم تميزها عن بقية الأمم والحضارات.
وتسمو الأمم وترقى فتعظم، فتجتذب غيرها إلى نهجها وتعمم قِيَمها ومبادئها، أو تنحدر فتهوي وتسقط، ويفر أهلها منها.
حتى لست أدري هل أن الولايات المتحدة الأميركية تشكل حضارة قائمة بذاتها، أم هي امتداد للحضارة الغربية؟ هل طعون الأوروبيين وغمزهم بأن أميركا ليست حضارة، لا لأنها تفتقر إلى العراقة والجذر الذي يربطها بالدورات الحضارية المتصلة للبشرية فحسب، بل لأن الأمة الأميركية تفتقر إلى الفن والجمال (ناهيك عن روحانية الشرق!)، وإن أوجدت حضارة فهي حضارة الآلة لا الإنسان.
فليس هناك موسيقار أميركي مثل بتهوفن أو باخ ولا رسام مثل دافنشي أو انغلو ولا نحات مثل بوشاردون أو نيكولا كوستو، ولا فيلسوف مثل كانط أو هيوم ولا شاعر مثل بوب أو طومسون ولا أديب كشكسبير! حتى الفن السابع الذي أبدعوا فيه وتفوقوا، إنما تفوقت فيه التكنولوجيا، لا الفنون الجميلة.. هل هذا الطعن وارد أم لا؟
ويقال أن أميركا لا رسالة لها.. ما الأمر في تعاملها مع بقية الأمم إلا محض المصالح والحاجات، لذا فالسياسة الخارجية لهذه الأمة العظيمة هي مجرد ردود أفعال عشوائية تخضع لإستراتيجية ثابتة عميقة مرتكزة على قيم ومبادئ وخطاب إنساني توجهه للبشرية، بل هي فوضوية (على طريقة الكاوبوي)، كل همها تأمين حاجاتها الخاصة..
حتى قالوا أنه لمن المضحك أن ينتظر البعض دوراً وموقفاً أميركياً في معالجة قضية انبعاث الغازات وارتفاع حرارة الأرض!.
فإذا أرادوا أن يتواصلوا مع الشعوب ويخلقـوا جسوراً ثقافية للتحاور والتعارف والتقارب، تجدهم ينشئون قناة “الحرة” التي كانت (في بداية تأسيسها) تقدم للمشاهد العربي خدمة يحسبونه متهالكاً عليها، فينقلون إليه آخر أخبار مباريات البيسبول والهوكي وكرة السلة، وتقتطع القناة برامجها في خبر عاجل عن استجواب مجلس الشيوخ لمسؤول في وزارة المالية، ضمن معركة داخلية بين الجمهوريين والديموقراطيين!
أو تجدهم يؤسسون راديو “سوا” لتتأكد التهمة عليهم بالخواء!
هذا ما كان يقال، وذاك ما كان بالفعل حتى الأمس القريب، ولكن هل أميركا اليوم هي أميركا الأمس؟
إن الجديد الذي بدأ يظهر في أداء أميركا مؤخراً، والتحول الذي يعكس نضجاً وعمقاً واستراتيجية تذكرك بأداء الإستعمار الإنكليزي والهولندي والأسباني والبرتغالي على صعيد العمق التخطيطي والسياسة المنبثقة عن خبرة ودراية، ولكن بنمط جديد وآلية متطورة، ثم سعي أميركا لتصدير ثقافتها لبلاد المنطقة…
هذا التغيير والتحول يشيران إلى أن أميركا في طريقها لتصبح دولة عظمى حقيقة “ترعى” العالم وتقوده، تقوده بأخلاق ومن أجل مبادئ وقيم، لا بتكتيكات وصفقات سياسية في سبيل مجرد مصالح ذاتية عارضة.
فلم يعد المهم لدى الولايات المتحدة الأمريكية أن تستنزف خيرات التشيلي وتنعم الشركات الأميركية بامتيازاتها وعقودها، وإن كان ذلك على حساب أن يحكمها دكتاتور مثل بينوشيه، ولم تعد أولوية أن ترضي شركائها الأوروبيين الغربيين على حساب أوروبا الشرقية التي حررتها من الشيوعية، ولا أن ترضيهم كلهم مجتمعين على حساب البوسنة والهرسك وتركيا!
وإذا منح الإنكليز لليهود وعـداً بتأسيس اسرائيل، فإن أميركا اليوم تؤسس للفلسطينيين دولة، وإذا أسس الإنكليز الجمهورية العراقية ونصبوا ملك الحجاز على الرافدين، فإن الأميركان اليوم يسقطون تلك الدولة ويفككونها حتى لا تصلح للبيع في السكراب والخردة !
وإذا جاءت ال “سي آي أيه” بصدام والبعث ليسقط الحكم العارفي الآخذ في التقرّب ـ حينها – من السوفيت، فإن أميركا اليوم تسقطه، بل إذا كان بوش الأب سمح ببقائه وأنقذه من انتفاضة الشعب العراقي بعد تحرير الكويت، فإن أميركا اليوم تكفّر عن ذنبها وتُعيد الحق إلى أهله.
وإذا صنع الإنكليز “الوهابية” … فإن أميركا اليوم تحاربها وتقضي على شرها وتقتلعه من جذوره.
أميركا اليـوم تريد أن تنشر حضارتها من خلال ثقافتها، وتريد أن يعم “خيرها” فتؤسس لأنظمة حكم ترتكز على محوري: الديموقراطية التي تقطع دابر تسلط الأنظمة الشمولية القمعية، وتعيد حقوق الإنسان وتحفظ الحريات، وتمنع اضطهاد الأقليات، ثم الشفافية الإدارية التي تقطع دابر السرقة والفساد والمحسوبية والبيروقراطية.
هذا ما يقال في مقابل الرأي الأول.. ونحن اليوم أمام اختبار حقيقي في مصداقية اميركا، هو المحك العراقي.
هل ستنصاع أميركا للإرهابيين وتنهزم أمام إرادة الدكتاتوريين، أم تمضي في مسيرة الديموقراطية؟ هل ستتحايل على نفسها وتنقلب على ثقافتها وتحرق بضاعتها، فتتعامل مع الديموقراطية بالغش والتدليس والظاهر الكاذب، كما تفعل معظم الأنظمة العربية، فيسقط كل شيء، أم تصر على المبدأ وإن جاء بما لا تشتهيه سفينة مصالحها الآنية؟
هناك معلومات موثقة ومؤكدة، وبانت متسالمة في جميع الأوساط، إن قائمة الائتلاف العراقي الموحد بزعامة السيد الحكيم قد اكتسحت نتائج الإنتخابات العراقية، وأنها ستسيطر بأغلبية مريحة على مجلس النواب القادم.
هذه هي الديموقراطية، هكذا فازت الأكثرية، رغم الإلتفافات العجيبة والغريبة التي جاءوا بها ووضعوها (مستلهمين من النموذج الإيطالي، كما يقال) في سبيل أن لا يحدث ما حدث، ولكنه حدث لسببين: الأول أن النسبة التي قدروها لم تكن دقيقة تماماً، فالأكثرية “أكثر” حتى مما حسبوا! ثم لحجم الظلامة والاضطهاد الذي يدفع باتجاه الالتفاف حول المناضلين والمجاهدين الذين تصدوا للدكتاتورية، والثقة بالقيادة التي خرجت منهم ، وعهدوا فيها الأمانة والصدق والوفاء.
وبعد، فالسيد الحكيم وكل الإسلاميين المؤتلفين في العراق اليوم تحت راية المرجعية هم غاية الإعتدال والوسطية والنهج المحافظ المسالم، وهي منظومة لم تكن أمريكا تحلم أن تواجهها وتنعم بحنكتها وكياستها وورعها عن الخوض في الدماء والمواجهات العنيفة، ذلك بعد عهود من الضربات القاسية التي تلفتها على يد مجاهدي الثورة الإسلامية والإمام الخميني، وأخرى لا تزال تتلقاها على أيدي الإرهابيين والتكفيريين.
هل ستسمح أمريكا بتثبيت النتيجة الحقيقية؟
هل ستنزل عند رغبة الشارع العراقي وتمتثل لإرادته (كما فعلت في تركيا مثلا)؟
بل هل ستحترم مشروعها وثقافتها وتمضي في خطّتها للشرق الأوسط الجديد؟
أم أن فترة “الإسبوعين” التي طلبتها المفوضية العليا الراعية للعملية الإنتخابية وقالت أنها تحتاجها للتحقق والتثبت ومن ثم إعلان النتائج، كفيلة بالعبث والدس والتزييف، ليعود العراق كما كان، وتنام الأنظمة الدكتاتورية قريرة عين من جديد، فهذا القادم هو من جنسها وعلى شاكلتها السافلة .. وتسخط الشعوب وتكفر، وتستذكر “الشيطان الأكبر” تارة أخرى؟
لقد صبرت هذي الجموع على قتل عشرات الآلاف منها، وامتنعت عن الرد وعن أية خطوة تزيد في الفوضى وتنال من مسيرة الاستقرار، وواكبت خطوات تأسيس الدولة بمزيد من الصبر والتضحية والتسامح والتنازل عن حقها في جميع المقاطع، محتكمة للعملية الديمقراطية ومراهنة عليها، وهي واثقة من أنها ستنصفها، وتعيد إليها حقها الذي ضاع في مجلس الحكم وفي الحكومات المؤقتة…
وبعد، فهي الإسلامية في هويتها وفكرها، أصبحت اليوم متمسكة بمشروع مدني (لا دولة دينية)، يحفظ التعددية الطائفية والعرقية، وهي ملتزمة بإرساء القانون والمؤسسات وكل ما من شأنه خلق دولة مدنية جديدة، بعيدة عن الدكتاتورية والظلم والفساد.. صبرت ولم تنجر للعنف.
فهل ستلتقي أمريكا مرة أخرى مع الزرقاوي الطالباني والبعثيين الصداميين (والإثنان صنيعتها في المنشأ والأصل)، وتدعم الفاسدين والمنبوذين، أم أنها قررت أن تكون حضارة ورسالة حقاً؟
هذا ما سيتبين بعد إسبوعين.
صحيفة القبس – 26 / ۱۲ / ٢٠٠٥
