جمعتني وإياه صدفة، كنت أتسوَّق في أحد معارض الأثاث، لفتني وشم الصليب على ظاهر كفه، بين إبهامه وسبابته، ثم اسمه المنقوش على اللوحة الصغيرة المعلقة على صدره (الباج)، ورغم أن اسمه الأول اسم صفة، لا ينم عن هوية ولا يكشف ديناً، لكن الثاني، أو هو اسم العائلة، لا أدري، كان واضحاً: مرقس.
قطعت الحديث الذي كان بيننا حول غرفة النوم التي كان يحاول تسويقها، وكنت قد سألته عن النسبة التي يتقاضاها من إتمام كل صفقة وبيعة، إذ وجدته حريصاً على إقناعي بالشراء، خلافاً لكثيرين من الباعة، فهم لا يعبأون، فردَّ بأنها ليس نسبة بالمعنى الدقيق، ولكنها نقاط تسجل كلما أتم صفقة وأنجح في بيع سلعة، تفيده في تقييمه العام، وربما في هبات وعطايا تمنحها الشركة للمجدين من موظفيها، وفي أيامنا هذه، إبعاده عن لائحة المستغنى عنهم والمصروفين عن الخدمة! :أنت قبطي ؟
:نعم
:اسمح لي أن أقدم لك خالص عزائي بإخوانك الذين قضوا في حادثة نجع حمادي.
ذهل الرجل وسقط في يده وبكم، وأخذ يرمقني بنظرة عميقة، وأحسست أنه كان يستطلع الجد من الهزل أو السخرية في حديثي، ولربما يعد جواباً، ويفكر كيف سيلقيه عليّ ويعرفني بأن مثل هذه الأمور لا تحتمل الهزل والمزاح، أو السخرية والاستخفاف، ثم تغيرت نظرته شيئاً فشيئاً، وهو صامت بعد، وكأنه تفرس نيتي وقرأ حقيقة غرضي، لكنه أراد أن يتأكد فقال: حضرتك تقصد إيه؟ قلت: أقصد ما قلته لك، أن أقدم لك العزاء وأواسيك في مصابك. أنت في غربة، بعيد عن وطنك، وتسمع مثل هذه الأخبار المحزنة، فتضطرب وتقلق، فتتأكد الحاجة لمواساتك، جعلها الله خاتمة الأحزان، ولا أعاد مثل هذه الفجائع على المحروسة وشعبها الطيب.
تراقصت في عينه دمعة، ما لبثت أن ترقرقت، رغم مغالبته حبسها، وراح يشكرني ويكبر موقفي، ويحدثني في التسامح الديني، حتى قال إنني الكويتي الوحيد الذي عزاه وشكى التعصب والتشدد والتطرّف الذي يحكم الكويتيين، وراح يحدثني عن صدود وإعراض وعبوس يلاقيه إذا وقعت عين بعضهم على وشم الصليب على یده، وعن دعوات ساذجة يلقاها للتخلي عن دينه، وإغراءات مادية تستحثه لترك عقيدته.
صححت له: هذه ليست ظاهرة كويتية، الكويتيون أبناء بحر، والبحر الذي نشأوا فيه علمهم التجارة والانفتاح والمدنية والتواصل مع الشعوب وتفهم الآخر، وهذه كلها ضد التطرف والتعصب، التطرف ليس ظاهرة كويتية، كما هو عندكم، ليس ظاهرة مصرية. إن من يقتلون الأقباط في مصر هم نفسهم الذي يقتلون الشيعة في العراق، وهؤلاء الأغلاظ الأجلاف ليسوا عراقيين ولا أولئك مصريون! إنها ثقافة مستوردة، ودين صدر بليل بهيم، تسلل في المجتمعات الإسلامية، وراح يقوض أركانها ويدمر دينها ودنياها.
تبادلنا أرقام هواتفنا، ووعدته بالتواصل في المناسبات، فأنا ملتزم بتهنئة معارفي المسيحيين بأعيادهم، وممارسة إنسانية لا أستطيع الفكاك منها والتخلي عنها، وإظهار ما يمكنني من تسامح الاسلام تجاههم.
بالأمس اتصل بي صاحبي القبطي وسألني عن شخص، يفترض أنه كاتب صحفي أو شيخ دين، لا أدري: هل – وذكر اسمه كويتي؟ سألته عنه ومن يكون؟ فأخبرني عن مقالة له نشرت في صحيفة «عالم اليوم» عدد الثلاثاء 26/1/2010، طلب مني قراءتها ثم جوابي على سؤاله.
المقالة عن الأزمة القبطية في الديار المصرية، وتتمحور حول ركنين أساسيين، الثاني إدانة التواطؤ أو التغافل الحكومي المصري وغير المصري عن المسيحيين و«جرائمهم»! أما الأول فيتحدث عن خطر الأقباط و«المد القبطي» (هكذا، كما «المد الأحمر»!)، والخطر في مفهوم الكاتب يبدأ من تمسكهم بدينهم، وشعورهم أنهم على حق! ويستشهد بمقولة لقس قبطي جاء فيها: لو كنا نظن أننا على دين باطل ما صبرنا على دفع الجزية من زمن عمرو بن العاص إلى أن جاء الاستعمار وخلصنا من الجزية، وينتهي بسرد لائحة بالاعتداءات المسيحية.
اللائحة التي سردها الكاتب مليئة بالدعوة للحقد والكراهية، وتأجيج الفتنة وتهييج المشاعر، وتتقلب في الشحن الطائفي البغيض والتعبئة المحرمة عرفاً وقانوناً وشرعاً، وتقطر تأليباً لأبناء الشعب الواحد، بعضه على الآخر، وتغريراً للأمن للتنكيل وممارسة البطش والعنف تجاه خصومه. وقد ذكر الكاتب نماذج وحالات شاذة تبعث على التقزز والقشعريرة، كالزعم باغتصاب قس قبطي لطفلة مسلمة! وقال صراحة بتخوين شريحة عريضة من الشعب المصري، هم الأقباط، عبر ربطهم بأجندة خارجية، وتصويرهم أداة للمستعمر الأجنبي.
أخبرت صاحبي القبطي أن أغلب فقرات هذه المقالة تشكل جريمة، بل جرائم، يدينها القضاء الكويتي، وبينت له إمكانية رفع دعوى خارج الكويت، في محاكم أوروبا، وضرورة عدم السكوت على مثل هذه الإثارات الخطيرة.
قال المسكين المغلوب على أمره: أين أنا من المحاكم والقضايا العامة، أنا وأغلب الشعب القبطي غلابة، نبحث عن لقمة العيش الكريم، ونسعى أن نحافظ على بلدنا من الفتنة. ثم قال: لن نسمح لهؤلاء المتطرفين أن يدفعونا لتشويه صورة بلدنا.
أكبرت فيه هذا الحس، ولكنه بعث فيَّ تساؤلاً عن مدى التحمل، وحدود الصبر؟
ثم عاد صاحبي القبطي وسألني بلحن ساخر: ها يا أستاذ، الكاتب كويتي وإلا لا؟
جريدة الدار 7/2/2010
