تمثال لسعود الناصر..

تمثال لسعود الناصر..

وتمثال للجلبي حتى يعصف الطوفان بالبعث..(1-2)

هناك ظلم ينطلق من هيمنة الشهوات وسطوة الرغبات وطغيان الهوى، يدفع الإنسان نحو المال والملك والجاه والسلطة والشهرة، وكل ما يشبع أو يسكن تلك النوازع، وهو مما يبتلى به الجميع بنسب ودرجات متفاوتة… وقد جاءت التشريعات السماوية والقوانين الأرضية لكبح جماح الشهوات وترويض نوازع الهوى وتنظيم الحياة بين الناس، فسنت العقوبات ووضعت الجزاءات، متفاوتة ومتناسبة مع كل جريمة. وهناك ظلم من نوع وطبيعة أخرى، يجمع إلى تلك النوازع التي أشير إليها، أموراً أخرى تجعل القضية تنتقل إلى إطار شامل ووضع عام، يمس أصل وجود المجتمعات وأساس حياة الناس، ظلم هو من نتاج فكر وإفراز أطروحة، وهذه الأطروحة لا تريد الملك والمال والجاه والسلطة فحسب، بل تريد إبادة الآخر وإلغاء وجوده، بمعنی سلبه قيم الحياة ومقومات البشرية والإنسانية، فإن عزَّه ذلك وامتنع، سلبوه حياته وأجهزوا عليه!

وقانون الاجتثاث، جاء لمعالجة هذا النوع من الظلم، اجتثاث المفسد وقطع دابر الظالم، شريعة سماوية قبل أن يكون قانوناً وضعياً، وسنة إلهية قبل أن يكتشف البشر حكمته ويلجأوا إليه ويعملوا به للخلاص من المدارس التي تأسست على الظلم والجور، ونظَّرت للقضاء على البشرية، وفلسفت لإفناء الإنسان، إن لم يكن بوجوده المادي الحسي، فبإنسانيته، كما كانت النازية. هناك ظلم لا ينفع معه النصح والارشاد، ولا يفيد الترويض والإصلاح، لا يردعه حبس ولا يقوّمه عقاب، ظلم لا علاج له ولا سبيل لمنعه إلا أن يجتث من أصله ويقتلع من جذوره. من هنا كان قول نوح عليه السلام «رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا»، فكان الطوفان.

البعث، كما النازية ذات نجسة، غدة سرطانية، مدرسة تحمل فكراً عنصرياً شوفينياً قوامه التمييز العرقي والقول بالتفوق الذي لا سبيل لبلوغه إلا لفئة خاصة محددة معينة، وبقية الناس، من عراقيين وغير عراقيين، همج وغثاء لا قيمة لهم، إلا بمقدار ما يديرون عجلة الحزب ويوفرون الوقود لعمل آلاته ومكائنه! وهذا ما ثبت بالوجدان بعد الدليل والبرهان…

ترى كيف عسى الشعب أو المجتمع الدولي أن يتعامل مع مثل هذا النظام؟ نظام أقحم بلده في ثلاثة حروب طاحنة مع جيرانه، كلها ابتداء منه وعدوانا، واضطهد شعبه حتى أحصى عليه الأنفاس، فإن زفر أحد من غصة أو تأفف من ضيق، التحق بمحرقة البعث، ولاقى واحدة من صنوف العطاء البعثي: حبس وتعذيب، وإبعاد وتهجير، وقتل وتنكيل، وسحل وتمثيل.. حتى قضى على البلاد والعباد، وصار من تحت التراب في مقابر جماعية يناهز الذين فوقها من أشباح بائسة؟

هل يجدي غير الإقصاء والقضاء المبرم؟ هل من سبيل لهذا الشر المتأصل غير طوفان يغرقهم عن بكرة أبيهم؟

بعد انتهاء رئاسته للحكومة العراقية السابقة، زار «الرفيق» السابق إياد علاوي دمشق، وكانت حكومته أخذت زمام المبادرة في مواجهة الإرهابيين في الفلوجة، فسجل له القضاء على الفتنة وإخمادها هناك. وعلى هامش تلك الزيارة، كان له لقاء مع كبار طلبة العلوم الدينية في الحوزة الزينبية، في وليمة أقامها أحدهم على شرفه، وقد طلب أن ينحصر الحضور بممثلي الجاليات العربية، بعد الطلبة العراقيين بطبيعة الحال، دون الأفارقة والهنود والأفغانيين! وفي هذا اللقاء أولى الطلبة الخليجيين عناية خاصة، وراح يحدثهم بأن المنطقة مقبلة على تغيير ينتشلهم من الظلامة المزمنة والاضطهاد المتأصل الذي ما انفكوا يعانونه، وطالبهم بالاتصال بالأميركيين والتنسيق معهم، وأبدى استعداده للمساعدة في هذا المجال، واندفع وهو يخاطب كويتياً حاضراً: أما أنت، فلا تحمل همَّ شيء، إذ سيعود الفرع إلى الأصل وتنحل قضيتكم من «قاعها»، الكويت عراقية، هذه حقيقة لا تغيرها الدبلوماسيات! وعندما لاحظ الوجوم على وجه المستمع، ابتسم وقال: نتشاقي يابه ها انتو الكويتيين شصاير بيكم، حتى ضحك ما تضحكون؟!

وقد انفضت الوليمة على امتعاض الكويتي وإصراره على الخروج من المكان، وتوسط صاحب الدار وسعيه لتلطيف الأجواء.

جريدة الدار 7/3/2010