خدعوها بقولهم حسناء* والغواني يغريهنّ الثناء
هناك غوان يغريهن الثناء، وأخريات يفسدهن المال، وهناك اللائي يستهويهن الجاه، وتجتذبهن الشهرة، وهناك غانيات من نوع ونسيج خاص، كالفاجرة التي فجّرت سرادق العزاء، أو هي خيمة لإستراحة الزوار القاصدين كربلاء سيراً على الأقدام، يقطعون مئات الكيلو مترات شوقاً إلى الحسين وطمعاً في الأجر والثواب، فينصب المحبون خياماً على الطريق يقدمون فيها الطعام والشراب ويهيئون المأوى للاستراحة والمبيت.
أغروا الفاجرة بأنهم روافض يسبون الصحابة، قبوريون يعبدون الحجر والحديد، ومشركون يتوسلون بأهل البيت وينادون «يا علي مدد»، وعندهم قرآن غير القرآن، ويريدون سرقة الكعبة ونقلها إلى قم أو اصفهان، ووعدوها جازمين قاطعين: ما هي إلا ثانية أو اثنتين، وتلحقين بربك راضية مرضية، مطهرة من أدناسك وأرجاسك، مكفَّرة الذنب مما جنيت في حياتك، فإذا حان المساء أخذتك الملائكة لتتناولين عشاءك على مائدة رسول الله! وبعد الفراغ، تنتقلين إلى حجرات الولدان يطفئون النار المستعرة في قلبك من غلٍّ على الروافض، وشبق يضطرم في أحشائك عجز رجال الدنيا كلهم عن إطفائه وإخماده.
ولما كانت العبوة المطلوبة كبيرة، تتجاوز خمسة عشر كيلو غراماً من المتفجرات، لزوم إيقاع أكبر عدد من الضحايا، وتحقيق أوسع نطاق من الدمار، لم يكن الحزام الذي يطوق الخصر يفي بالغرض، فعمدوا إلى تفصيل واحد خاص لها، وقد أسعفهم جسمها بتقاطيعه على ذلك.
نفَّذت الملعونة المهمة كما أُنيطت بها، صبرت حتى ازدحم السرادق، وضغطت على قابس الوصل وفجّرت الخيمة..
لن اقتبس من رسالة الغفران لأبي العلاء، فميدانها المحشر وصورها عرصات القيامة، وهي ساحة ملزومة للحساب والكتاب… أما الانتحارية الفاجرة الهالكة فلا سؤال ولا حساب، إذ هي ممن جاء فيهم «ولا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ» وتشملها «خُذُوهُ فَغُلُوهُ ثُمّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ».
صدق وعدهم، لم تشعر بألم، وبقيت أعصابها مثلجة مجمدة كما كانت، لكنها دخلت في صعقة، وكأن الصاعق الذي فجَّرته أشلَّ روحها فأشخصها فوق المشهد الذي صنعته قبل ثوان دون حراك… كانت تنظر الأشلاء المتناثرة على الأرض والأعضاء المبتورة موزعة هنا وهناك، وتعيش مع الموقع لحظة صمت رهيب أعقب الانفجار، قبل أن ينجلي الغبار، وتبدأ تأوهات المصابين تتصاعد، وأنين الجرحي الخافت يبدد السكون، وحشرجة الموتى تبث في الفضاء صوتاً بل لحن غريب!
وفجأة انقلب المنظر في عينها، إذ كشف عنها الغطاء وصار بصرها حديداً … وأخذت الصورة الحقيقية للمشهد تظهر وبدأت معالمها ترتسم في سماء السرادق، أمامها، حيث اشخصوها:
أرواح ضحاياها تصعد باسمة وادعة، فرحة مستبشرة، ورعيل من الملائكة يتلو رعيلاً، يحيط بكل روح، يعدّها ويهيئها للقاء وموعد عظيم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله أبى إلا أن يكون في طليعة مستقبلي زوار سبطه المظلوم، ومعه أخوه وصهره علي وابنته الزهراء. وطقوس ومراسم تحفل بها السماء لتزف الشهداء إلى غرفهم ومقاماتهم في الجنان.
لم ينقطع عن الفاجرة المشهد من عجب، بل من مقامع من حديد أرسلتها الزبانية التي كانت تنتظرها، ألجمتها، وثياب من نار ألبستها، وحميم صُبّ فوق رأسها، ما أمهلها أن تنطق بـ «مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدَّهُم مِّن الأشرار».
لم تتعطل قوافل الزوار، ولا قلَّ عددها، بل كانت تمضي تجدُّ السير إلى قبلة العاشقين ومنار الأحرار، سيد شباب أهل الجنة، وكل أهلها شباب، الحسين بن علي بن فاطمة بنت محمد، تمضي وتترك الكلاب على قارعة الطريق من حول القافلة، تنبح وتعوي وتلهث، والشياطين تفجِّر وتقتل وتسفك وتدِّمر….
زرعوا فيها الحقد، وغرسوا الكراهية، صدّقتهم، فماذا جنت؟
بقي ختام قصيدة أحمد شوقي:
ففراق يكون فيه دواء * أو فراق يكون منه الداء…
***
من وحي حزمة الأسئلة المئة التي أمطر بها هايف الحكومة، قررت أن أفرد مساحة في ذيل كل مقالة عنوانها: «مئة سؤال وسؤال»، أعرضها كمقترحات، عسى أن يتبناها أحد نوابنا الوطنيين.
إلى معالي وزير الإعلام: ظهرت على تلفزيون الكويت (قناة إثراء) شخصية غير كويتية (العريفي) في برنامج من إعداده وتقديمه.. وقد اشتهرت هذه الشخصية بالتعدي على مذهب أهل البيت كما اشتهرت شخصيته بالتمجيد والترحم على الطاغية صدام الكافر .. هل توجد شخصيات أخرى ظهرت على تلفزيون الكويت والإعلام الكويتي مماثلة لتلك الشخصية في فكرها التكفيري وتمجيدها وترحمها على الطواغيت؟ وما هي المبالغ والأموال التي صرفت لهم من المال العام؟ وكم كان نصيب العريفي تحديداً من الأموال العامة؟
جريدة الدار 14/2/2010
